ﮉﮊﮋﮌ

٣١٧- قال جل ذكره : سبح اسم ربك الأعلى ١، وهذا من العلو، وكذلك قوله : العلي العظيم ٢، و الكبير المتعال ٣، و رفيع الدرجات ذو العرش ٤، و يخافون ربهم من فوقهم ٥، وقال : ليس له دافع من الله ذي المعارج ٦، والعروج هو الصعود. وأما قوله تعالى : أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ٧، فمعناه من على السماء، يعني على العرش، وقد يكون " في " بمعنى " على "، ألا ترى إلى قوله تعالى : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ٨. وهذا كله يعضد قوله تعالى : تعرج الملائكة والروح إليه ٩، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب.
وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة١٠، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى ، استولى فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة : المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله- عز وجل- إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله- عز وجل- أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين.
والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، هو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة١١في قوله تعالى : استوى ، قال : علا، قال : وتقول العرب : استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره : استوى أي انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.
قال أبو عمر : الاستواء، الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله- عز وجل- وقال لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ١٢، وقال : واستوت على الجودي ١٣، وقال : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ١٤، وقال الشاعر :

فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى ؛ لأن النجم لا يستولي. ( ت : ٧/١٢٩-١٣٢. وانظر س : ٨/١٤٨-١٥١ )
١ سورة الأعلى: ١..
٢ سورة البقرة: ٢٥٤..
٣ سورة الرعد: ١٠..
٤ سورة غافر: ١٤..
٥ سورة النحل: ٥٠..
٦ سورة المعارج: ٢-٣..
٧ سورة الملك: ١٦..
٨ سورة التوبة: ٢..
٩ سورة المعارج: ٤..
١٠ قالوا: إن الله- عز وجل- في كل مكان وليس على العرش. انظر التمهيد: ٧/١٢٩..
١١ هو معمر بن المثنى، أبو عبيدة التيمي البصري النحوي العلامة، أسند الحديث عن هشام بن عروة، ورؤية بن العجاج، وأبي عمرو بن العلاء... وعنه علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وعلي بن المغيرة الأثرم. وغيرهم. من مؤلفاته كتاب"مجاز القرآن"، توفي سنة ٢١٣ هـ انظر تاريخ بغداد: ١٣/٢٥٢-٢٥٨. وطبقات المفسرين: ٢/٣٢٦..
١٢ سورة الزخرف: ١٢..
١٣ سورة هود: ٤٤..
١٤ سورة المؤمنون: ٢٨..

جهود ابن عبد البر في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير