ﮉﮊﮋﮌ

٨٣٨- قال رجل لمالك : يا أبا عبد الله : الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ قال : " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب وأراك صاحب بدعة، أخرجوه " ١.
قال ابن أبي زيد : " الله تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وإنه في كل مكان بعمله ".
وقال في الرسالة : " استوى على عرشه المجيد بذاته " ٢ وهذا أقرب للتأويل من الأول، أي بغير معين، بل بذاته استوى على العرش وغيره، وخص الله تعالى العرش بالاستواء لأنه أعظم أجزاء العالم، فيبقى غيره بطريق الأولى، فقال جماعة عن ابن أبي زيد وعن ابن عبد البر وجماعة من المجتهدين : إنهم يعتقدون الجهة لأجل هذه الإطلاقات. وقال بعض الفضلاء : هذا إنما يلزمهم إذا لم يصرحوا بأنه ليس كمثله شيء٣ وبغير ذلك من النصوص النافية للجهة، وإنما قصدهم إجراء النصوص كما جاءت من غير تأويل، ويقولون : لها معان لا ندركها، ويقولون : هذا الاستواء لا يشبه الاستواءات، كما أن ذاته لا تشبه الذوات، وكذلك يكون فوق سماواته دون أرضه فوقية لا تشبه الفوقيات، وهذا أقرب لمناصب العلماء من القول بالجهة.
ومعنى قول مالك : " الاستواء غير مجهول " أن عقولنا دلتنا على الاستواء اللائق لله وجلاله وعظمته، وهو الاستيلاء دون الجلوس ونحوه مما لا يكون إلا في الأجسام.
وقوله : " والكيف غير معقول " معناه : أن ذات الله تعالى لا توصف بما وضعت العرب له كيف، وهو الأحوال المتنقلة والهيئة الجسمية من التربع وغيره، فلا يعقل ذلك في حقه تعالى لاستحالته في جهة الربوبية.
وقوله : " والسؤال عنه بدعة " معناه : لم تجرم العادة في سيرة السلف بالسؤال عن هذه الأمور المثيرة للأهواء الفاسدة، فهو بدعة.
ورأيت لأبي حنيفة- رضي الله عنه- جوابا لكلام كتب به إليه مالك : إنك تتحدث في أصول الدين، وإن السلف لم يكونوا يتحدثون فيه. فأجاب بأن السلف –رضي الله عنهم- لم تكن البدع ظهرت في زمانهم. فكان تحريك الجواب عنها داعية لإظهارها فهو سعي في منكر عظيم فلذلك ترك. قال : " وفي زماننا ظهرت البدع فلو سكتنا كنا مقربين للبدع، فافترق الحال ". وهذا جواب سديد يدل على أن البدع ظهرت ببلاده بالعراق، ومالك لم يظهر ذلك ببلده، فلذلك أنكر، فهذا وجه الجمع بين كلام الإمامين. ( الذخيرة : ١٣/٢٤٢-٢٤٣ ).

١ - ذكرت هذه الرواية بألفاظ مختلفة ومن طرق متعددة، نقلها: ابن رشد في "البيان والتحصيل": ١٦/٣٦٧-٣٦٨. والقاضي عياض في "ترتيب المدارك": ٢/٣٩، وابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل": ١/٢٧٨، وابن حجر في "فتح الباري": ١٣/ ٤٠٧..
٢ - جاء في الرسالة: "وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه" ٢٦..
٣ - قال الله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ سورة الشورى: ١١..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير