عِلْمُهَا عِندَ رَبّي أي إن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده، بل هو من علم الغيب الذي استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا. وعلى التفسير الأوّل يكون معنى عِلْمُهَا عِندَ رَبّي : أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله في كتابه سيجازيهم عليها، ومعنى كونها في كتاب : أنها مثبتة في اللوح المحفوظ. قال الزجاج : المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها، والتقدير : علم أعمالها عند ربي في كتاب.
وقد اختلف في معنى لاَ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى على أقوال : الأوّل : أنه ابتداء كلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد تمّ الكلام عند قوله : في كتاب كذا قال الزجاج، قال : ومعنى لاَ يَضِلُّ : لا يهلك من قوله : أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض [ السجدة : ١٠ ] وَلاَ يَنسَى شيئاً من الأشياء، فقد نزّهه عن الهلاك والنسيان. القول الثاني : أن معنى لا يَضِلُّ : لا يخطئ. القول الثالث : أن معناه لا يغيب. قال ابن الأعرابي : أصل الضلال الغيبوبة. القول الرابع : أن المعنى : لا يحتاج إلى كتاب، ولا يضلّ عنه علم شيء من الأشياء، ولا ينسى ما علمه منها، حكي هذا عن الزجاج أيضاً. قال النحاس : وهو أشبهها بالمعنى. ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي. القول الخامس : أن هاتين الجملتين صفة لكتاب، والمعنى : أن الكتاب غير ذاهب عن الله ولا هو ناس له.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إننا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا قال : يعجل أَوْ أَن يطغى قال : يعتدي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : أَسْمَعُ وأرى قال : أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به، فأوحي إليكما فتجاوبانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لما بعث الله موسى إلى فرعون قال : ربّ أي شيء أقول ؟ قال : قل أهيا شراهيا. قال الأعشى : تفسير ذلك الحيّ قبل كل شيء، والحيّ بعد كل شيء. وجوّد السيوطي إسناده، وسبقه إلى تجويد إسناده ابن كثير في تفسيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : على مَن كَذَّبَ وتولى قال : كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ قال : خلق لكل شيء زوجه ثُمَّ هدى قال : هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لاَ يَضِلُّ رَبّي قال : لا يخطئ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : من نبات شتى قال : مختلف. وفي قوله : لأُوْلِي النهى قال : لأولي التقى. وأخرج ابن المنذر عنه لأُوْلِي النهى قال : لأولي الحجا والعقل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال : إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله : مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ . وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة قال : لما وضعت أمّ كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله ) وفي حديث في السنن :( أنه أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال : مِنْهَا خلقناكم ثم أخرى وقال : وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ثم أخرى وقال : وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى ). وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة قال : يوم عاشوراء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو نحوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني