وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى { ٦٩ ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى { ٧٠ ) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى { ٧١ ) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا { ٧٢ ) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى { ٧٣ ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا { ٧٤ ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا { ٧٥ ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى { ٧٦ )
تلقف تبتلع.
في الآيات السابقات أذهب الله جل ثناؤه الخوف عن موسى وبشره بأنه الظافر الرابح الغالب، وفي قوله سبحانه : وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا بيان لما يفعل موسى ليكون سببا في إبطال السحر والساحر، وأمره أن يقذف العصا التي كانت بيمينه، فإنه قد رأى إذ نودي من شاطئ الوادي الأيمن ماذا صنع الله تعالى له بتلك العصا ؛ وذكره مولانا بأنها ستبتلع كل ما حشده المبطلون، فإن الباطل زاهق لا محالة، ولا يفلح الساحر حيث أتى جنس المضللين خائب خاسر، وحيثما سار فمكره بائر ؛ [ فحيث ظرف مكان أريد به التعميم ]١. فألقي السحرة سجدا فهووا وسقطوا مسارعين بالسجود خضوعا وانقيادا لله الحق ؛ وفي الكلام مقدر محذوف، التقدير : فزال الخوف عن موسى وألقى ما في يمينه فصارت حية وتلقفت حبالهم وعصيهم وعلموا أن ذلك معجز فسجدوا تائبين مؤمنين بالله مصدقين برسالة موسى وهارون ؛ ـ وفيه إيقاظ السامع لألطاف الله تعالى في نقله من شاء من عباده من غاية الكفر والعناد، إلى نهاية الإيمان والسداد ـ٢. قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر قال فرعون للسحرة إذ خذلوه وهم أداة كيده، وآمنوا بمحضر جمع كبير من قومه، مما يحذر معه أن يزول ملكه وقد انكشف ضلال سعيه، وظهر الحق الذي بعث الله به رسوليه موسى وهارون، فتوجه للسحرة بالاستفهام الذي يحمل الإنكار والوعيد : أآمنتم لرب موسى، أو آمنتم بالله لأجل موسى وما شاهدتم منه ؟ ! إنه إمامكم في السحر ؛ ومعلوم أن الإيمان هو التصديق، وقد صدقوا أو أقروا ؛ وإذا ضمن الإيمان معنى الانقياد تعدى باللام ؛ وقيل إذا كان متعلقه الله عز وجل يوصل بالباء، وباللام إن كان متعلقه غيره تعالى ـ في الأكثر ـ نحو :.. يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين.. )٣، ولقد جاء في سورة الأعراف :{ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون )٤ ؛ { قبل أن آذن لكم آمنتم على الرغم مني فتعديتم وتجاوزتم أمري ؛ فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل يتوعدهم ليس فقط بالتقتيل وإنما بالصلب والتنكيل، يقطع أطرافهم من جهات متخالفة، اليد من جهة والرجل من الجهة التي تقابلها وتخالفها، وقسما لأصلبنكم وأشد رباطكم ووثاقكم إلى أصول النخل أو سوقه، أو أغور لكم في الجذوع لتستقروا فيها، أميتكم موتا بطيئا صبرا، ووعيدا مؤكدا، إن قسوة ما أحل بكم وتماديه ستعرفكم أأنا أشد تعذيبا وأطول أم موسى ورب موسى ! ـ {.. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار )٥ـ
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب