ثم ذكر ثبوت السحرة على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون، فقال :
قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ * إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى
قلت : هذه الحياة الدنيا : نصب على إسقاط الخافض. اتساعًا، لا نصب على الظرفية ؛ لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و الذي فطرنا : عطف على ما جاءنا ، أو قَسَمٌ حُذف جوابه، أي : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك. . . الخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : حاكيًا عن السحرة، لمَّا خوفهم فرعونُ : قالوا غير مكترثين بوعيده : لن نُؤْثِرَكَ أي : لن نختارك، باتباعك على ما جاءنا من الله تعالى على يد موسى عليه السلام من البينات أي : المعجزات الظاهرة ؛ لأن ما ظهر من العصا كان مشتملاً على معجزات جمة، كما تقدم. والذي فَطَرَنَا : خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي : لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى ؛ للإشعار بعِلِّية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، فاقض ما أنت قاضٍ أي : فاصنع ما أنت صانعه، أو : فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله : لأقطعن أيديكم. . . الخ. إنما تقضي هذه الحياةَ الدنيا أي : إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي