تمهيد :
تبين الآيات : موقف السحرة ؛ حين خيروا موسى بين أن يلقي بسحره، وبين أن يبدءوا هم، فطلب منهم البدء فألقوا حبالا وعصيا، صارت تتحرك وتثير الرهبة والإكبار في عين من رآها، حتى موسى عليه السلام توجس خيفة من هول ما رأى، لكن الله جلّت قدرته سدد خطاه وثبته، وأمره أن يلقي عصاه، فألقى موسى العصا فابتلعت حبال السحرة، وهنا أيقن السحرة أن عمل موسى ليس سحرا، بل هو معجزة من عند الله، فخروا ساجدين، قائلين : آمنا برب هارون وموسى وتهددهم فرعون بالعذاب الشديد، فلم يترددوا في إيمانهم ؛ بل أصروا عليه مختارين الإيمان والنجاة في الآخرة على كل متع الدنيا.
نؤثرك : نفضلك ونختارك.
فطرنا : ابتدعنا وأوجدنا من العدم.
فاقض : فاحكم.
٧٢-قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
كان السحرة قد آمنوا بالله تعالى ربا، وبموسى رسولا، واستقر الإيمان في قلوبهم، وصار يقينا لا يتزلزل ؛ فهددهم فرعون، وطلب منهم العدول عن هذا الإيمان ؛ وإلا أوقع بهم التعذيب والصلب ؛ فاستهانوا بوعيد فرعون، وقالوا :
لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا .
لن نفضلك على ما وصل إلينا وشاهدناه من المعجزات، ومن الذي خلقنا وأوجدنا، أو نقسم بالذي فطرنا وخلقنا.
فاقض ما أنت قاض .
أي : احكم بما تشاء، ونفّذ ما تريد من وعيد ؛ فإن ذلك لن يصيب إلا أجسامنا هذه الفانية.
إننا نقضي هذه الحياة الدنيا .
أي : إنك تتسلط في هذه الدنيا وحدها، وأما الآخرة فلا سلطان لك عليها ؛ لأن الملك فيها لله وحده.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة