الإيثار : تفضيل شيء على شيء في مجال متساو تقول : آثرت فلانا على فلان. وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئا ليس معك غيره، ثم جاءك فقير فآثرته على نفسك.
ومنه قوله تعالى : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. ( ٩ ) ( الحشر ).
فقولهم : لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا.. ( ٧٢ ) ( طه ) : لأنه قال ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ٧١ [ طه ] أنا أم موسى ؟ فالمعركة في نظره مع موسى، فأرادوا أن يواجهوه بهذه الحقيقة التي اتضحت لهم جميعا، وهي أن المعركة ليست مع موسى، بل مع آيات الله البينات التي أرسل بها موسى، ولن نفضلك على آيات الله التي جاءتنا واضحة بينة.
ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثر القوم إيمانا، وقد وضح عمق إيمانهم لما قالوا : آمنا برب هارون وموسى ( ٧٠ ) ( طه ) : ولم يقولوا : آمنا بموسى وهارون، إذن : فإيمانهم صحيح صادق من أول وهلة.
وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ، حين قالت : وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( ٤٤ ) ( النمل ) : فأنا وهو مسلمان لله، ولم تقل : أسلمت لسليمان، فهناك رب أعلى، الجميع مسلم له.
إذن : فقول السحرة لفرعون : لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا.. ( ٧٢ ) ( طه ) تعبير دقيق وواع وحكيم، لا تلحظ فيه ذاتية موسى، إنما تلحظ البينة التي جاء بها موسى من الله.
لذلك يقول تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين(١)حتى تأتيهم البينة ( ١ ) ( البينة )، ثم يبين عند من جاءت البينة : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( ٢ ) ( البينة ).
فالارتقاء من الرسول إلى البينة إلى من أعطى له البينة، فهذه مراحل ثلاث.
والبينات : هي الأمور الواضحة التي تحسم كل جدل حولها، فلا تقبل الجدل والمهاترات ؛ لأن حجتها جلية واضحة.
وقولهم : والذي فطرنا.. ( ٧٢ ) ( طه ) : أي : ولن نؤثرك أيضا على الله الذي فطرنا، أو تكون والذي فطرنا.. ( ٧٢ ) ( طه ) قسم على ما يقولون كما تقول : لن أفعل كذا والذي خلقك، فأنت تقسم ألا تفعل هذا الشيء.
وهذه حيثية عدم الرجوع فيما قالوه وهو الإيمان برب هارون وموسى.
ثم لم يفتهم الإشارة إلى مسألة التهديدات الفرعونية : فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.. ( ٧١ ) ( طه ).
لذلك يقولون : فاقض ما أنت قاض.. ( ٧٢ ) ( طه ) : أي : نفذ ما حكمت به من تقطيع الأيدي والأرجل، أو اقض ما أنت قاض من أمور أخرى، وافعل ما تريد فلم تعد تخيفنا هذه التهديدات إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( ٧٢ ) ( طه ).
فأنت إنسان يمكن أن تموت في أي وقت، فما تقضي إلا مدة حياتك، وربما يأتي من بعدك من هو أفضل منك فلا يدعي ما ادعيته من الألوهية.
وهب أن من جاء من بعدك كان على شاكلتك، فحياته أيضا منتهية، وحتى لو ظل ما سننته للناس من ادعاء الألوهية إلى يوم القيامة، وامتد طغيان غيرك من بعدك، فالمسألة ستنتهي، ولو حتى بقيام الساعة.
كما سبق أن قلنا : إن نعيم الدنيا مهما بلغ فيتهدده أمران : إما أن تفوته أو يفوتك، أما نعيم الآخرة فنعيم باق دائم، لا تفوته ولا يفوتك.
تفسير الشعراوي
الشعراوي