ثم يقول الحق سبحانه : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( ١٦ ) .
ربنا – سبحانه وتعالى – يعطينا المثل الأعلى في الخلق، لأن خلق السماوات والأرض مسألة كبيرة : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ( ٥٧ ) ( غافر ) : فالناس تولد وتموت وتتجدد، أما السماء والأرض وما بينهما من نجوم وكواكب فهو خلق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل، لم يطرأ عليه خلل أو تعطل.
والحق سبحانه لا يتمن بخلق السماء والأرض وما بينهما ؛ لأنها أعجب شيء، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومسخرة لخدمتهم، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض وما عليها من خيرات، بل وما تحتها أيضا وما تحت الثرى ( ٦ ) ( طه ).
الكل مخلوق لك أيها الإنسان، حتى ما تتصوره خادما لغيرك هو في النهاية يصب عندك وبين يديك، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان، وكلهم يخدمون الإنسان.
فإن كان الإنسان هو المخدوم الأعلى في هذا الكون فما عمله هو ؟ وما وظيفته في كون الله ؟ فكل ما دونك له مهمة يؤديها فما مهمتك ؟ إذن : إن لم يكن لك مهمة في الحياة فأنت أتفه من الحيوان، ومن النبات، حتى ومن الجماد، فلا بد أن تبحث لك عن عمل يناسب سيادتك على هذه المخلوقات.
ثم هل سخرت هذه المخلوقات لنفسك بنفسك، أم سخرها الله وذللها لخدمتك ؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخر لك هذه المخلوقات وهي أقوى منك، ألك قدرة على السماء ؟ أتطول الشمس والقمر ؟
إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ( ٣٧ ) ( الإسراء ).
إذن : كان يجب عليك أن تبحث بعقلك فيمن سخر لك هذا كله، كان عليك أن تهتدي إلى الخالق للسماء والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه ما خلقها عبثا، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلك أنت.
لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي :( يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له ).
فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك.
فما الحكمة من خلق السماء والأرض وما بينهما ؟ الحكمة أن هذه المخلوقات لولاها ما كنا نستدل على القوة القادرة وراء خلق هذه الأشياء، وهو الخالق سبحانه، فهي – إذن – لإثبات صفات الجلال والجمال لله عز وجل. فلو ادعى أحد انه شاعر – ولله المثل الأعلى – نقول له : أين القصيدة التي قلتها ؟ فلا نعرف أنه شاعر إلا من خلال شعره وآثاره التي ادعاها. وهي دعوى دون دليل ؟ !
وقد خلق الله هذا الخلق من أجلك، وتركك تربع فيه، وخلقه مقهورا مسيرا، فالشمس ما اعترضت يوما على الشروق، والقمر والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي ؛ لأنها تعمل بالتسخير، لا بالإرادة والاختيار. أما الإنسان فهو المخلوق صاحب الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل.
ولو نظرت إلى هذا الكون لأمكنك أن تقسمه إلى قسمين : قسم لا دخل لك فيه أبدا، وهذا تراه منسجما في نظامه واستقامته وانضباطه، وقسم تتدخل فيه، وهذا الذي يحدث فيه الخلل والفساد.
قال الحق سبحانه وتعالى : والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ( ٣٨ ) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون١القديم ( ٣٩ ) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( ٤٠ ) ( يس ).
فالكون من حولك يسير بأمر خالقه، منضبط لا يتخلف منه شيء، فلو أخذت مثلا سنة كاملة ٣٦٥ يوما، ثم حاولت أن تعيدها في عام آخر لوجدت أن الشمس طلعت في اليوم الأول من نفس المكان، وفي اليوم الثاني من نفس مكان اليوم الثاني، وهكذا بدقة متناهية، سبحان خالقها.
لذلك، فالذين يضعون التقويم لمعرفة الأوقات يضعون تقويم ثلاث وثلاثين سنة يسجلون دورة الفلك، ثم يتكرر ما سجلوه بانضباط شديد، ومن ذلك مثلا إذا حدد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حلقي، فإذا ما تابعته وجدته منضبطا تماما في نفس موعده، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه ؛ لأنه لا تدخل لنا فيه أبدا.
وفي المقابل انظر إلى أي شيء للإنسان فيه تدخل : فمثلا نحن يكيل بعضنا لبعض، ويزن بعضنا لبعض، ويقيس بعضنا لبعض، ويخبز بعضنا لبعض، ويبيع بعضنا لبعض.. الخ انظر إلى هذه العلاقات تجدها – إلا ما رحم الله – فاسدة مضطربة، ما لم تسر على منهج الله، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض.
إذن : كلما رأيت شيئا فاسدا شيئا قبيحا فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه.
وكأن الخالق – عز وجل – يقول للإنسان : أنت لست أمينا حتى على نفسك، فقد خلقت لك كل هذا الكون، ولم يشذ منه شيء، ولا اختلت فيه ظاهرة، أما أنت – لأنك مختار – فقد أخللت بنفسك وأتعبتها.
فاعلم أن المسائل عندي أنا آمن لك، فإذا أخذتك من دنيا الأسباب إلى الآخرة وإلى المسبب، فأنا أمين عليك أنعمك نعيما لا تعب فيه ولا نصب ولا شقاء، وإن كنت تخدم نفسك في الدنيا، فأنا أخدمك في الآخرة، وألبي لك رغبتك دون أن تحرك أنت ساكنا.
إذن : لو أنني شغلت نفسي بمن يملكني وهو الله تعالى لاستقام لي ما أملكه.
فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان، فلماذا ؟ كأن الحق – سبحانه وتعالى – يقول : لأني يكفيني من خلقي أن يشهدوا مختارين أنه : لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وإن كانت المخلوقات قد شهدت هذه الشهادة مضطرة، فالعظمة أن يشهد المختار الذي يملك أن يشهد أو لا يشهد.
كما أنني بعد أن أنعمت عليك كل هذه النعم أنزلت إليك منهجا بافعل كذا ولا تفعل كذا، فإن أطعت أثبتك، وإن عصيت عاقبتك، وهذه هي الغاية من خلق السماء والأرض، وأنها لم تخلق لعبا.
وهذا المنهج تعرفه من الرسل، والرسل يعرفونه من الكتاب، فلو كذبت بالرسل لم تعرف هذه الأحكام ولم تعرف المنهج، وبالتالي لا نستطيع أن نثيب أو نعاقب، فيكون خلق السماء والأرض بدون غاية.
تفسير الشعراوي
الشعراوي