وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( ١٦ ) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنا إن كنا فاعلين ( ١٧ ) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون( ١٨ ) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ( ١٩ ) يحسبون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : ١٦- ٢٠ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر مطاعنهم في نبوة محمد ( ص ) بتلك المقالات التي سلف ذكرها، قفى على ذلك بذكر فساد تلك المطاعن وبيان أن من أنكر نبوته فقد جعل تلك المعجزات التي ظهرت على يديه من باب العبث واللعب. تنزه ربنا عن ذلك، فإنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلا لعبادته ومعرفته ومجازاة من قام بهما بالثواب والنعيم، ومن لم يقم بذلك بالعقاب الأليم، ولن يتم علم هذا إلا بإنزال الكتب، وإرسال الرسل صلوات الله عليهم، فمنكر الرسالة جاعل خلق السماء والأرض لهوا ولعبا، تعالى خالقهما علوا كبيرا.
ثم أردف هذا بالرد على من ادعى أن المسيح ابن الله وعزير ابن الله، بأنه لو اتخذ ولدا لاتخذه من الملائكة، وعقب على هذا بأن الغلبة للحق دائما مهما طال أمد الباطل، وأن جميع من في السماوات والأرض كلهم عبيده لا يستكبرون عن عبادته ولا يملون.
تفسير المفردات :
من عنده : هم الملائكة. لا يستكبرون : أي لا يتعظمون. يستحسرون : أي يكلون ويتبعون، يقال حسر البعير إذا أعيا وكل، ومثل استحسر وتحسر.
الإيضاح :
ولما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن إنما هو التمرد والعناد بين في هذه الآية أنه غني عن طاعتهم، لأنه هو المالك لجميع المخلوقات، والملائكة على جلالة قدرهم مطيعون له خائفون منه، فأجدر بالبشر على ضعفهم أن يطيعوه، وما أخلقهم أن يعبدوه، فقال :
وله من السماوات والأرض أي وله تعالى جميع المخلوقات خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة و تعذيبا وإثابة دون أن يكون لأحد في ذلك سلطان لا استقلالا ولا استتباعا.
ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون أي والملائكة الذين شرفت منازلتهم عند ربهم لا يستعظمون عن عبادته ولا يكلون ولا يتعبون.
وتخصيص الملائكة بالذكر للدلالة على رفعة شأنهم، كما خصص جبريل من بين الملائكة في قوله : تنزل الملائكة والروح [ القدر : ٤ ].
تفسير المراغي
المراغي