ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ... (٤٥)
هذا - واللَّه أعلم - يخرج على وجهين:
أحدهما: خرج جوابًا لقولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، أنهم كانوا ينكرون رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟ فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ولكن إنما أنذركم بالوحي من اللَّه، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته.
والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارةُ المرسلة غير مضافة إلى اللَّه، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، لم أنذركم من ذات نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - واللَّه أعلم - أي: فيما أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات رسالته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ).
هذا - واللَّه أعلم - يقول: إن الأصم إذا أريد أن يدفع عن المهالك لا سبيل أن يدفع عنها ويكف بالدعاء والنداء، ولكن إنما يكف ويدفع عن المهالك بالأيدي والراحات، كأنه قال ذلك لما أكثر دعاءهم إلى ما به نجاتهم فأبوا ذلك ولم يجيبوه، فقال عند ذلك: إنكم لا تسمعون الدعاء والنداء إلى ما به نجاتكم، ولكن تعرفون ذلك بالقتل والسيف.
أو أن يقول ذلك: إنكم صم عن الحق حتى لا تسمعونه كالأصم بالسمع، والأصم يالسمع لا يدعى ولا ينادى؛ لأنه لا يسمع، ولكن يدعى باليد والإشارة، فعلى ذلك أنتم صم عن الحق لا تدعون بالنداء، ولكن بالذي يعرف الدعاء وهو اليد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)
قال الحسن: (نَفْحَةٌ) أي: طائفة من عذاب ربك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نقمة من ربك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عقوبة ربك، وأصل النفحة: الرمية؛ ولذلك سمي نفحة الدابة: أي رميها، وهو ما ذكر من رمي الشرر؛ كقوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)
في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل؛ لأنه قال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ)؛ فكأنه قال: ونضع الموازين التي توضع في الدنيا ويعرف بها حقوق الناس في

صفحة رقم 349

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية