يراد به موت البشر، فهو تنقص للقرون، ويكون المراد حينئذ أهل الأرض، كما ذكر ابن عطية رحمه الله.
الإنذار بالوحي والحساب
تتكرر في آي القرآن الكريم إنذارات المشركين وتهديداتهم، لحملهم على الإيمان، ويكون الإنذار أحيانا بالتذكير بإهلاك القرون والأمم الظالمة السابقة، وأحيانا بقوارع الوحي والتهديد بالعذاب الشامل، وتارة بالحساب الشديد على صغائر الأمور وكبائرها، ليعلم البشر أن الإله القادر محيط بكل شيء من أحوال الدنيا، والهيمنة على مصائر المخلوقات في الدنيا بالقهر والغلبة، وفي الآخرة بالحساب الدقيق الذي لا يفلت منه أحد، ويكون المصير المشؤوم لبعض الناس، قال الله تعالى مبينا كل هذا:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
«١» »
«٣» [الأنبياء: ٢١/ ٤٥- ٤٧].
المعنى: قل أيها الرسول النبي: يا أيها المقترحون المتشططون من أهل الشرك، إنما أنذركم بوحي يوحيه الله إلي، وبدلالات على العبر والعظات التي أقامها الله تعالى لينظر فيها، كنقصان الأرض من أطرافها وغيره، وإنما أنا مبلّغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، فلا تظنوا أن ذلك من قبلي، بل الله آتيكم به، وأمرني
(٢) العدل أي ذوات العدل.
(٣) أي وزن حبة.
بإنذاركم به، وعملي: هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول، ولم أبعث بآية مطّردة ولا بما تقترحونه، فإن لم تجيبوا دعوتي، فعليكم الوبال والنكال، لا علي.
ولا يجدي هذا الوحي من أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، وما مثل المعرضين عن آيات الله إلا مثل الصّمّ الذين لا يسمعون شيئا أصلا، فليس الغرض من الإنذار مجرد السماع، بل الإصغاء لما يسمع، والتمسك به، بالإقدام على فعل الواجب، والتحرز عن المحرّم، ومعرفة الحق، فإذا لم يتحقق هذا الغرض، فلا فائدة في السماع.
ولئن مسّ أو أصاب هؤلاء المكذبين شيء من عذاب الله يوم القيامة، ليبادرن إلى الاعتراف بذنوبهم، ويقولون: يا هلاكنا، إنا ظلمنا أنفسنا في الدنيا، بتقصيرنا في الطاعة، وإعراضنا عن الإيمان الحق بالله تعالى، وبعبارة أخرى: ولئن مسّ هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم، ليندمنّ وليقرّنّ بظلمهم. وفي هذا إشارة إلى شدة عذاب الله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) [البروج: ٨٥/ ١٢].
وبعد أن توعدهم الله بنفحة من عذاب الدنيا، عقّب ذلك بتوعّد بوضع الموازين الدقيقة للحساب في الآخرة، والمعنى: ونضع الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة، أو لحساب يوم القيامة، أو لحكم يوم القيامة، فقوله تعالى:
لِيَوْمِ الْقِيامَةِ بتقدير حذف مضاف، فلا يلحق نفسا أي ظلم، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا، فلن يظلموا في الآخرة، حتى وإن كان العمل أو الظلم زنة حبة الخردل، فنجازي عليه الجزاء الأوفى، حسنا أو سيئا، وكفى بنا محصين لأعمال العباد، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا تحذير شديد، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى لأن الإله العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه.
وجمهور المفسرين على أن الميزان في يوم القيامة إنما هو ميزان واحد، بعمود وكفتين، توزن به الأعمال، ليبيّن الله للناس المحسوس المعروف عندهم. والخفة والثقل متعلقة بأجسام يقرنها الله تعالى يوم القيامة بالأعمال، فإما أن يكون الموزون صحف الأعمال، أو مثالات تخلق، أو ما شاء الله تبارك وتعالى، فهي موازين حقيقية، توزن بها الأعمال.
والمقصود من الوزن: إقامة العدل المطلق الدقيق بين الخلائق لأن الناس عادة لا يثقون إلا بالمحسوسات المشاهدة لهم، فإذا شاهدوا ما يوجد في كفتي الميزان من حسنات وسيئات، اقتنعوا بأم أعينهم بما يشاهدون، وأدركوا حصيلة ما قدموا من أعمال صالحات أو سيئات.
إنها إذن موازين حقيقية توزن بها الأعمال بعد تجسيمها، ولا مانع على قدرة الله أن توزن بهذه الموازين الأمور المعنوية كما توزن الأمور الحسية، كموازين الضغط والحرارة والحركة والاستشعار من بعد.
خصائص التوراة والقرآن
إن منهاج الكتب الإلهية واحد، وغايتها واحدة، فمنهاجها الدعوة إلى توحيد الله، وإنارة الطريق أمام البشر، وتذكير أهل التقوى بالعمل الصالح، وغايتها إصلاح البشرية، ووحدة الأمة، واستمرار الأصالة الإيمانية، دون تعثر ولا انحراف، ولا تغير أو تبدل، وحينئذ تلتقي مسيرة الإيمان في درب واحد، ذروتها الإخلاص لرب العالمين، وجذع شجرتها الإقرار بوجود الله ووحدانيته، وأغصانها الأعمال الصالحة المتميزة بخشية الله، وثمارها إسعاد الناس في الدنيا والآخرة. وهذا
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي