ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم أنه قال لقومه :
قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( ٥٤ ) .
أراد أن يرشد هذا السفه فقال : أنتم في ضلال ؛ لأنكم قلدتم في الإيمان، والإيمان لا يكون بالتقليد، وآباؤكم لأنهم اخترعوا هذه المسائل وسنوها لكم.
ومن العجيب أن يقلدوا آباءهم في هذه المسألة بالذات دون غيرها، وإلا فمن الذي يظل على ما كان عليه أبوه، ونحن نرى كل جيل يأتي بجديد مما لم يكن معروفا للجيل السابق.
لذلك يقولون : الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، فلكل زمن وضعه وارتقاءاته، وأنت تتحكم في ولدك ما دام صغيرا، فيأكل الولد ويشرب ويلبس حسب ما تحب أنت، فإذا ما شب وكبر صارت له شخصيته الخاصة وفكره المستقل، فيختار هو مأكله وملبسه، والكلية التي يدخلها، وربما انتقدك في بعض الأمور.
إذن : هؤلاء قلدوا آباءهم في هذه المسألة دون غيرها، فلماذا مسألة الإيمان بالذات تتمسكون فيها بالتقليد ؟ ولو أن كل جيل جاء صورة طبق الأصل لسابقه ما تغير وجه الحياة، ففي هذا دلالة على أن لكل جيل ذاتيته المستقلة وفكره الخاص.
لقد قلد هؤلاء آباءهم في هذه العبادة دون غيرها من الأمور ؛ لأن عبادة وتدين بلا تكليف، وآلهة بلا منهج، لا تضيق عليهم في شيء، ولا تمنعهم شيئا مما ألفوه من الشهوات، فهو تدين بلا تبعة.
لذلك ؛ فالحق سبحانه يرد عليهم في أسلوبين مختلفين، فمرة يقول تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ( ١٧٠ ) ( البقرة ).
وفي موضع آخر يقول تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ( ١٠٤ ) ( المائدة ).
ونلحظ أن عجز الآيتين مختلف، فمرة : لا يعقلون شيئا.. ( ١٧٠ ) ( البقرة )، ومرة لا يعلمون شيئا.. ( ١٠٤ ) ( المائدة ) : فلماذا ؟
قالوا : لأن عجز كل آية مناسب لصدرها، وصدر الآيتين مختلف، ففي الأولى قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.. ( ١٧٠ ) ( البقرة ) : فيمكن أن نتبع هذا أو هذا، دون أن يقصروا أنسفهم على شيء واحد.
وفي الثانية قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.. ( ١٠٤ ) ( المائدة ) : يعني : يكفينا، ولا نريد زيادة عليه، فقصروا أنفسهم على ما وجدوا عليه آباءهم.
لذلك قال في عجز الأولى : لا يعقلون شيئا.. ( ١٧٠ ) ( البقرة )، وفي عجز الثانية لا يعلمون شيئا.. ( ١٠٤ ) ( المائدة ) : لأن العاقل هو الذي يهتدي إلى الأمر بذاته.
أما الذي يعلم فيعلم ما عقله هو، وما عقله غيره، إذن : فدائرة العلم أوسع من دائرة العقل ؛ لأن العقل يهتدي للشيء بذاته، أما العلم فيأخذ اهتداء الآخرين.
فكان ردهم : قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ( ٥٥ ) .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير