وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ٧ ) وجعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ( ٨ ) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين ( ٩ ) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون [ الأنبياء : ٧- ١٠ ]
المعنى الجملي : لما ذكر سبحانه فيما سلف إنكارهم لأن يكون الرسول بشرا بقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم [ الأنبياء : ٣ ] أجاب عن هذه الشبهة بأن هذه سنة الله في الرسل قبل محمد( ص )، فهو ليس ببدع بينهم، وإن كنتم في ريب من ذلك فاسألوا أهل الكتاب من قبلكم ؛ ثم ذكر الرسل كسائر البشر في سنن الطبيعة البشرية يأكلون الطعام ولا يخلدون في الأرض، بل يموتون كما يموت سائر الناس، وقد صدقهم الله وعده، فينجيهم ومن آمن بهم ويهلك المكذبين لهم، وأعقب ذلك بأن في القرآن عظة لهم لو كانوا يعقلون في تضاعيفه من مواعظ وزو اجر، ووعد ووعيد.
تفسير المفردات :
الجسد : كالجسم إلا أنه لا يقال لغير الإنسان كما قال الخليل بن أحمد. خالدين : أي باقين.
الإيضاح :
وبعد أن بين أنه ( ص ) على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا، بين أنه على سنتهم في سائر الأوصاف التي حكم بها على البشر في معيشتهم وموتهم فقال :
وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين أي وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك إلى الأمم الماضية قبل أمتك جسدا لا يأكلون الطعام، أي لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام وتعرض لهم أطوار البشر جميعا من صحة ومرض وسرور وحزن ونوم ويقظة، وما كانوا مخلدين لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم غبروا حينا من الدهر وهم أحياء ثم طواهم الثرى وضمتهم القبور.
وخلاصة ذلك : إنا جعلنا الرسل أجساما تتغذى حين الحياة، ثم يصير أمرها إلى الفناء بعد استيفاء آجالها، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون، وما كانوا مخلدين بأجسادهم، بل يموتون كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن غيرهم من سائر الناس بما يأتيهم عن الله من الوحي الزلفى عنده.
تفسير المراغي
المراغي