ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

تمهيد :
تناقش هذه الآيات المشركين، فتبين : أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بشر رسول، وليس بدعا من الرسل، فقد كان الرسل السابقون رجالا، ينزل عليهم الوحي، وبينهم أهل الكتاب فليسألوا اليهود والنصارى عن رسل الله السابقين، ومحمد بشر يأكل الطعام، ويدركه الموت كسائر البشر وكسائر الرسل، وهؤلاء الرسل وعدهم الله بالنصر والنجاة وبإهلاك المكذبين، وقد صدقهم الله وعده، والقرآن فيه شرف وحياة ورقي لهذه الأمة، ولو استخدموا عقولهم ؛ لكان في هذا الكتاب ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم.
٨ - وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ.
الجسد : كالجسم إلا أنه لا يقال لغير الإنسان.
خالدين : باقين.
لم نجعل الرسل أجسادا كالملائكة، لا تأكل الطعام، بل جعلناهم بشرا يحتاجون إلى الأكل والإخراج والنسل، ويعتريهم المرض والموت والفناء، فقد كان كذلك رسل الله السابقون.
قال ابن كثير :
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ.
أي : بل قد كانوا أجسادا يأكلون الطعام، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأََسْوَاقِ. ( الفرقان : ٢٠ ). أي : قد كانوا بشرا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا كما توهم المشركون في قولهم : مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا. ( الفرقان : ٧، ٨ ).
وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ.
أي : في الدنيا لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم قضوا حينا من الدهر وهم أحياء، ثم طواهم الثرى وضمتهم القبور، قال تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. ( الأنبياء : ٣٤ ).
وخلاصة ذلك : إنا جعلنا الرسل أجساما تتغذى حين الحياة، ثم يصير أمرها إلى الفناء، بعد استيفاء آجالها، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون، وما كانوا مخلدين بأجسادهم، بل يموتون كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن غيرهم من سائر الناس، بما يأتيهم عن الله من الوحي والزلفى عنده.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير