الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثين في المصحف الكريم
وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين * وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين * والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين * إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون * وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون * حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين* إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون * إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون * يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين* ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين * قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون * وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين * قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون .
الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثين في المصحف الكريم
في بداية الحديث الماضي بينا وجه المطابقة بين الاسم والمسمى في ( سورة الأنبياء ) التي تضمنت ذكر سبعة عشر نبيا ورسولا، بالإضافة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبديهي أن حكمة الله في ذكرهم وذكر أحوالهم هي ضرب المثل بهم لرسوله والمؤمنين، ففي حياتهم وجهادهم عبرة لمن اعتبر، وفي سيرتهم وسلوكهم نموذج مثالي لأفضل السير. وها هو كتاب الله يواصل الحديث في هذا الربع عن تلك السلسلة الذهبية، التي هي خير البرية :
يقول الله تعالى عن نبيه يونس بن متى الذي ضاق ذرعا بأعباء النبوة بعد أن لم تفلح دعوته في قومه، ففارقهم مغاضبا لهم من أجل ربه، ثم ندم على مفارقتهم ورجع إليهم امتثالا لأمر الله، بعد ما تابوا إلى الله ورفع عنهم العذاب، وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم .
ومجمل قصته التي ستأتي بتفصيل في سورة الصافات، وبإيجاز في سورة القلم : أن يونس فارق قومه ساخطا عليهم، وكان فراقه لهم عن اجتهاد من عنده، لا بإذن من ربه، ظنا منه أنه يستطيع أن يؤدي واجبه حيثما حل وارتحل، وأن دعوته التي لم ينتفع بها قومه يمكن أن تجد آذانا صاغية عند قوم آخرين، لكنه بمجرد ما فارق قومه وأظلهم العذاب تضرعوا إلى الله وتابوا إليه، وسرعان ما عادوا إلى الصواب، فرفع عنهم العذاب، غير أن يونس عليه السلام لم يعلم بتوبتهم في هذه الأثناء، وكان قد انتهى به المطاف إلى شاطئ البحر فركب سفينة مع ركاب آخرين، وما لبثت السفينة أن أشرفت على الغرق، فاضطر ربانها إلى أن يقرع بين ركابها، ليلقي أحدهم في البحر تخفيفا عنها، وإنقاذا لها ولبقية الركاب، فكانت نتيجة القرعة إلقاء يونس في البحر دون غيره، فالتقمه الحوت، ومن هنا أطلق عليه كتاب الله هذا اللقب ( ذا النون ).
وهنا بدأ تمحيص الله لنبيه يونس على ما أقدم عليه من فراق قومه دون إذن من ربه، زجرا له عن المعاودة وليمحص الله الذين آمنوا ، لكن الله كان رحيما كريما عندما حفظه في بطن الحوت، فلم يمسسه سوء، وكما التقمه الحوت بأمر الله عند التقائه في البحر فحفظه من الغرق امتثل الحوت أمر ربه فأخرجه من بطنه دون أن يلحق به أي أذى، وأعاده إلى نفس الشاطئ الذي أقلع منه، عندما استجاب الله دعاء يونس، ونجاه من الغم الذي كان فيه، طيلة القترة التي التقمه فيها الحوت وبقي في بطنه، وهكذا أعاده الله إلى قومه سالما، ليرى أن شجرة الحق التي غرسها قد أينعت وآتت أكلها بإذن ربها، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [ يونس : ٩٨ ].
وقوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه إشارة إلى أن يونس عليه السلام كان قد غلب على ظنه أنه إذا فارق قومه سيخرج من الضيق الذي هو فيه إلى سعة من أمره، وانه سيستبدل بعسرهم يسرا، لكن الأمر جرى على خلاف ذلك، لحكمة يعلمها الله، فمعنى ( لن نقدر عليه ) في هذا السياق لن نضيق عليه، على غرار قوله تعالى : وأما إذا ما ابتلاه فقدر علي رزقه [ الفجر : ١٦ ] أي ضيقه عليه.
وقوله تعالى هنا : فنادى في الظلمات بالجمع، إشارة إلى ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت، حسبما روي عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة، وغيرهم، أو إلى ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة، حسبما يراه الماوردي، أو مجرد إشارة إلى شدة تكاثف الظلمات، فكأنها ظلمة فوق ظلمة، حسبما يراه أبو حيان.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تفضلوني على يونس بن متى " معناه انه عليه السلام عندما وصل إلى سدرة المنتهى ليلة الإسراء والمعراج لم يكن بأقرب إلى الله تعالى من يونس، عندما كان في قعر البحر وهو في بطن الحوت، مصداقا لقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة : ١٨٦ ].
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري