ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

( ذو النون ) : هو سيدنا يونس بن متى صاحب الحوت، والنون من أسماء الحوت، وجمعه ( نينان ) كحوت وحيتان ؛ لذلك سمي به، وقد أرسل يونس عليه السلام إلى أهل ( نينوى ) من أرض الموصل بالعراق.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، لعداس :( أنت من بلد النبي الصالح : يونس ابن متى )١.
والنون أيضا اسم لحرف المعجم، لكن يوافق اسم الحرف اسما لشيء آخر، كما في ( ق ) وهو اسم جبل، وكذلك السين، فهناك نهر السين، وهكذا تصادف أسماء الحروف أسماء أشياء.
وقوله تعالى : إذ ذهب مغاضبا.. ( ٨٧ ) ( الأنبياء ) : مادة ( غضب ) نأخذ منها الوصف للمفرد. نقول : غاضب وغضبان، أما ( مغاضب ) فتعطي معنى آخر ؛ لأنها تدل على المفاعلة، فلا بد أن أمامك شخصا آخر، أنت غاضب وهو غاضب، مثل : شارك فلان فلانا.
لكن في أصول اللغة رجحنا جانب الفاعلية في أحدهما، والمفعولية في الآخر، كما نقول : شارك زيد عمرا، فالمشاركة حدثت منهما معا، لكن جانب الفاعلية أزيد من ناحية زيد، فكل واحد منهما فاعل مرة ومفعول أخرى.
واللغة أحيانا تلحظ هذه المشاركة، فتحمل اللفظ المعنيين معا : الفاعل والمفعول، كما جاء في قول الشاعر العربي الذي يصف السير في أرض معقربة، والتي إذا سرت فيها دون أن تتعرض للعقارب فإنها تسالمك ولا تؤذيك، فيقول :
قد سالم الحيات منه القدما
الأفعوان٢والشجاع القشعما٣
أي : أنه سالم الحيات، فالحيات سالمته، فالمسالمة منهما معا، لكن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلا ؛ لأن إيذاءها أقوى من إيذائه، فلما أبدل من الحيات ( الأفعوان والشجاع القشعما ) وهما من أسماء الحيات كان عليه أن يأتي بالبدل مرفوعا تابعا للمبدل منه، إلا أنه نصبه فقال : الأفعوان والشجاع القشعما ؛ لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضا مفعول.
فمم غضب ذو النون ؟ غضب لأن قومه كذبوه، فتوعدهم إن لم يتوبوا أن ينزل بهم العذاب، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به، فخاف أن يكذبوه، وأن يتجرأوا عليه، فخرج من بينهم مغاضبا، إلى مكان آخر، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخر الله عذابهم، وأجل عقوبتهم.
وفي آية أخرى يوضح الحق سبحانه هذا الموقف : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ( ٩٨ ) ( يونس ).
أي : لم يحدث قبل ذلك أن آمنت قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة، هي قوم يونس، فقد آمنوا وتابوا فأجل الله عذابهم.
إذن : خرج يونس مغاضبا لا غاضبا ؛ لأن قومه شاركوه، وكانوا سبب غضبه، كما حدث في مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فرسول الله هاجر من مكة لكنه لم يهجرها، فسميت هجرة ؛ لأن أهل مكة هجروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، وهجروا دعوته وألجئوه أيضا إلى الهجرة وترك مكة، فهم طرف في الهجرة وسبب لها.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا مكة :( والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت )٤.
وقد أخذ المتنبي٥هذا المعنى، وعبر عنه بقوله :
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
ألا تفارقهم فالراحلون هم
وقوله تعالى : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ.. ( ٨٧ ) ( الأنبياء ) : البعض ينظر في الآية نظرة سطحية، فيقولون : كيف يظن يونس أن الله لن يقدر عليه ؟ وهذا الفهم ناشئ عن جهل باستعمالات اللغة، فليس المعنى هنا من القدرة على الشيء والسيطرة، ولو استوعبت هذه المادة في القرآن ( قدر ) لوجدت لها معنى آخر، كما في قوله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله.. ( ٧ ) ( الطلاق ) معنى قدر عليه رزقه يعني : ضيق عليه.
ومنها قوله تعالى : إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.. ( ٣٠ ) ( الإسراء ).
وقوله سبحانه وتعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ( ١٥ ) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ( ١٦ ) ( الفجر ).
إذن : فقوله : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ.. ( ٨٧ ) ( الأنبياء ) : أي : أن يونس لما خرج من بلده مغاضبا لقومه ظن أن الله لن يضيق عليه، بل سيوسع عليه ويبدله ببلده مكانا أفضل منها، بدليل أنه قال بعدها فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ٦أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( ٨٧ ) . ( الأنبياء ) : يريد منه سبحانه تنفيس كربته، وتنفيس الكربة لا يكون إلا بصفة القدرة له.
فكيف يستقيم المعنى لو قلنا : لن يقدر عليه بمعنى : أن الله لا يقدر على يونس٧ ؟
إذن : المعنى : لن يضيق عليه ؛ لأنه يعلم أنه رسول من الله، وأن ربه لن يسلمه، ولن يخذله، ولن يتركه في هذا الكرب.
وقد وجدت شبهة في قصة يونس – عليه السلام – في قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين ( ١٤٣ ) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ( ١٤٤ ) ( الصافات ).
فكيف يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، مع أن يونس سيموت، وسيأتي أجل الحوت ويموت هو أيضا، أم أن الحوت سيظل إلى يوم القيامة يحمل يونس في بطنه ؟.
وفات هؤلاء نظرية الاحتواء في المزيجات، كما لو أذبت قالبا من السكر في كوب ماء، فسوف تحتوي جزيئات الماء جزيئات السكر، والأكثر يحتوي الأقل، فقالب السكر لا يحتوي الماء، إنما الماء يحتوي السكر.
فلو مات الحوت، ومات في بطنه يونس – عليه السلام - وتفاعلت ذراتهما وتداخلت، فقد احتوى الحوت يونس إلى أن تقوم الساعة، وعلى هذا يظل المعنى صحيحا، فهو في بطنه رغم تناثر ذراتهما٨.

١ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (٢ / ٤٢١)، وفيه: أن عداسا قال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه..
٢ الأفعوان: ذكر الأفاعي. والقشعم: الضخم. (لسان العرب – مادتا: فعا، قشعم)..
٣ أورد ابن منظور في لسان العرب (مادة: شجع) وعزاه للأحمر ولكن بلفظ (الشجاع الشجعما) وقال: الشجعم: الضخم منها، وقيل: هو الخبيث المارد منها، ثم قال: (نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات، ثم جعل الأفعوان بدلا منها)..
٤ أخرجه ابن ماجة في سننه (٣١٠٨)، والدارمي في سننه (٢ / ٢٣٩) من حديث عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على راحلته واقفا بالحزورة يقول.................... الحديث..
٥ هو: أحمد بن الحسين الكندي أبو الطيب المتنبي، الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي، ولد ٣٠٣ هـ بالكوفة في محلة (كندة) ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وفد على سيف الدولة الحمداني صاحب حلب فمدحه ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي ثم هجاه. قتل بالنعمانية وابنه وغلامه عام ٣٥٤ هـ (الأعلام للزركلي ١ / ١١٥)..
٦ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. (قاله ابن كثير في تفسيره ٣ / ١٩٢)..
٧ قال القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٥١١): (هذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. وذكر الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه)..
٨ قال قتادة: في قوله تعالى: للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (١٤٤) (الصافات) قال: لصار له بطن الحوت قبرا إلى يوم القيامة. (أورده السيوطي في الدر المنثور (٧ / ١٢٧، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير