ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

قوله :
فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم أي : من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته.
قوله : وكذلك نُنجِي المؤمنين : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي : كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة١ «نُنْجِي » بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجي ينجي٢. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّي » بتشديد الجيم وسكون الياء٣ وفيها أوجه :
أحسنها : أن يكون الأصل «نًنْجِي » بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ ٤ في قراءة من قرأه كما تقدم٥، وكما حذفت التاء الثانية في قوله : تَذَكَّرَونَ ٦ و تَظَاهَرُونَ ٧ وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال :
أحدهما : أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً.
والثاني : أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف «تظاهرون »٨ ألا ترى أنك لو قلت : تتحامى المظالم لم يَسُغْ٩ حذف الثانية١٠.
أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في١١ منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة١٢ وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا.
الوجه الثاني : أنّ١٣ «نُجِّي »١٤ فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله : مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ١٥ في قراءة شاذّة تقدمت١٦، قالوا : وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن تخفيفا فالمعتل أولى، ومنه :
٣٧٣٢- إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ *** قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلاَنِ١٧
وتقدم منذ لك جملة١٨ وأسند١٩ هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر «لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »٢٠ وهذا رأي الكوفيين والأخفش٢١، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير : نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء : وهو ضعيف من وجهين :
أحدهما : تسكين آخر الفعل الماضي.
والآخر : إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح٢٢.
وقد عرف جوابهما مما تقدم٢٣.
الوجه الثالث : أن الأصل «نُنْجِي » كقراءة٢٤ العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت٢٥ في الجيم بعدها٢٦. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها٢٧.
الوجه الرابع : أنه ماض مسند بضمير المصدر أي : نُجِّي النجاءُ٢٨ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ «المُؤْمِنِينَ » ليس منصوباً ب «نُجِّي » بل بفعل مقدر٢٩. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به من وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال : هي لحن٣٠. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج٣١.
وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال : ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال : نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد٣٢ التعسف٣٣. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف٣٤.

١ غير أبي بكر عن عاصم وابن عامر. السبعة ٤٣٠..
٢ وهو زيد بن علي حيث قرأ ما نزل ماضيا مخففا مبنيا للفاعل "الملائكة" بالرفع. البحر المحيط ٦/٤٤٦..
٣ السبعة (٤٣٠)، الكشف ٢/١١٣، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف ٣١١..
٤ من قوله تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [الحجر: ٨]..
٥ ٥ وهو زيد بن علي حيث قرأ ما نزل ماضيا مخففا مبنيا للفاعل "الملائكة" بالرفع. البحر المحيط ٦/٤٤٦.
.

٦ قوله تذكرون ذكر في القرآن في سبعة عشر موضعا أوله: وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون [الأنعام: ١٥٢] وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ٢٧٢..
٧ من قوله تعالى: تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان [البقرة: ٨٥]، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣/٨٧. انظر اللباب ١/٢٠١..
٨ من قوله تعالى: تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان [البقرة: ٨٥]، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣/٨٧. انظر اللباب ١/٢٠١..
٩ في النسختين: لم تمنع. وما أثبته من التبيان..
١٠ التبيان ٢/٩٢٥..
١١ في ب: و. وهو تحريف..
١٢ فالخليل وسيبويه على أن المحذوف الألف الثانية، والأخفش والفراء على أن المحذوف الألف الأولى..
١٣ أن: سقط من ب..
١٤ في ب: تنجي. وهو تحريف..
١٥ من قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة: ٢٧٨]..
١٦ وذلك أن أبيا قرأ "ما بقي" بكسر القاف وسكون الياء. المختصر (١٧)..
١٧ البيت من مجزوء الرمل، قاله وضاح اليمن، وهو في الحجة ٢/٦٦، اللسان (جلل) والبحر المحيط ١/٤٢. وقبله:
ضحك الناس وقالوا *** شعر وضاح الكباني
القند: عسل قصب السكر، ويروى (شهد) والشهد بفتح الشين وضمها وسكون الهاء: العسل ما دام لم يعصر من شمعه، ويروى (ملح) بكسر الميم ومعناه الحسن من الملاحة، ويروى (فيد) بفتح الفاء وسكون الياء: وهو ورد الزعفران وقيل ورقه. الجلجلان: ثمرة الكزبرة، وقيل : حب السمسم، وقيل: ما في جوف التين.
والاستشهاد بالبيت على حذف حركة اللام من الفعل الماضي الصحيح اللام في خلط..

١٨ تقدم في السورة السابقة..
١٩ في الأصل: واسكن. وهو تحريف..
٢٠ من قوله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون [ الجاثية: ١٤] وقراءة أبي جعفر ليجزي بضم الياء وفتح الزاي بالبناء للمجهول. النشر ٢/٣٧٢..
٢١ وذلك أن الكوفيين والأخفش يجوزون إنابة غير المفعول به مع وجوده مطلقا، غير أن الأخفش يشترط تقدم النائب، واستدلوا على ذلك بقراءة أبي جعفر ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ببناء (يجزى) للمفعول، وبقول الشاعر:
لم يعن بالعلياء إلا سيـــدا *** ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
وقول الآخر:
وإنما يرضي المنيب ربه *** ما دام معنيا بذكر قلبــــــه
ومذهب البصريين لا يجوز إنابة غير المفعول به مع وجوده، وأولوا قراءة أبي جعفر بأن النائب منها ضمير مستتر يعود على الغفران المفهوم من يغفروا وحملوا البيتين على الضرورة وانظر البيان ٢/١٦٤، البحر المحيط ٦/٣٣٥، الهمع ١/١٦٢، شرح الأشموني ٢/٦٧-٦٨..

٢٢ التبيان: ٢/٩٢٥..
٢٣ من أن تسكين آخر الفعل الماضي للتخفيف، وإقامة غير المفعول به مع وجوده مذهب الكوفيين والأخفش..
٢٤ في ب: لقراءة. وهو تحريف..
٢٥ في ب: قلبت ضما وإذا ضمت. وهو تحريف..
٢٦ وهذا الوجه لأبي عبيد، إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٨..
٢٧ إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٨، الكشف ٢/١٣٣، التبيان ٢/٩٢٥، البحر المحيط ٣٣٥..
٢٨ في الأصل: نجاء..
٢٩ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٥..
٣٠ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٥..
٣١ قال الزجاج: (فـأما ما روي عن عاصم بنون واحدة لا وجه له، لأنّ ما لا يسمى فاعله لا يكون بغير فاعل. وقد قال بعضهم: نُجّي النجاء المؤمنين، وهذا خطأ بإجماع النحويين كلهم، لا يجوز ضُرب زيدا، تريد ضرب الضرب زيدا، لأنك إذا قلت: ضرب زيد فقد علم أنه الذي ضربه ضرب، فلا فائدة في إضماره وإقامته مقام الفاعل) معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٥٠٣..
٣٢ في ب: بإرادة. وهو تحريف..
٣٣ الكشاف ٣/١٩..
٣٤ وهو قوله: (وننجي) فيكون موافقا للوجه الأول..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية