ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

تمهيد :
هذا نموذج آخر للقدوة والتعليم، نبي كريم يغضب من قومه في نينوى بالعراق، ويركب سفينة، وتوشك السفينة على الغرق، فيقترع القوم لإلقاء أحد الركاب في البحر، وتصيب القرعة يونس، فيلقي بنفسه في البحر، فيلتقمه الحوت، ويتضرع إلى الله تعالى وهو محبوس في بطن الحوت، وفي ظلمات الليل والبحر وجوف الحوت، فيستجيب الله دعاءه وينجيه، وهكذا ينجي المؤمنين.
٨٨ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ.
فاستجاب الله دعاء يونس، وفرج عنه الكرب، وأمر الحوت أن يحافظ عليه وأن يطرحه في العراء، وحافظ الله عليه، وأرسله مرة أخرى إلى قومه، فآمنوا ؛ فأنقذهم الله من العذاب.
قال تعالى : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ. ( يونس : ٩٨ ).
وقد ورد في سنن أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : دعوة أخي ذي النون في بطن الحوت : لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له )٢٨.
وقد ورد في القرآن الكريم : قصة يونس في عدد من السور قال تعالى : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. ( القلم : ٤٨ – ٥٠ ).
وقال تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى ماِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ. ( الصافات : ١٣٩ – ١٤٨ ).
وروى البخاري ومسلم وأبو داود. عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لا تفضلوني على يونس ابن متى ؛ فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت )٢٩.
وهذا دليل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة معينة، وأن المؤمن إذا لجأ إلى الله ودعاه ؛ استجاب الله دعاءه، وأن على المسلم إذا وقع في كرب أو عسر، أو شدة أو هم، أن يردد دعاء يونس عليه السلام : لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
لأن الله وعد بإجابة دعاء المؤمن، إذا قال هذا الدعاء صادقا متضرعا، قال تعالى :
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ.
أي : استجبنا دعاء يونس، ونجيناه من الغم، فقد فرجنا كربه، وأمرنا الحوت أن يلفظه على الشاطئ، وأنبت الله عليه شجرة القرع.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب القرع ويقول :( إنها شجرة أخي يونس، وإنها تشد قلب الحزين ).
وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ.
أي : كما نجينا يونس من الغم وهو الحزن، ننجي كل مؤمن إذا لجأ إلينا ودعانا مخلصا قانتا متبتلا.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير