ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قوله : واقترب الوعد الحق . المراد بالوعد وهو يوم القيامة.
( وسمي الموعود وعداً تجوّزا. قال الفراء وجماعة : الواو في قوله :«وَاقْتَرَبَ » مقحمة معناه : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كقوله : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ ١ أي : ناديناه٢. ويدل عليه ما روى حذيفة قال : لو أنَّ رجلاً اقتنى فُلُّوا٣ بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة٤.
وقال قوم : لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب حتى إِذَا فُتِحَتْ في قوله :«يَا وَيْلَنَا » يكون مجازاً لأنّ التقدير : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة )٥.
قوله : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ «إذَا » هنا للمفاجأة، و «هِيَ »٦ فيها أوجه :
أجودها : أن يكون ضمير القصة، و «شَاخِصَةٌ » خبر مقدم، و «أَبْصَارُ » مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ل «هِيَ »، لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بخبرها، وهذا مذهب البصريين٧.
الثاني : أن تكون «شَاخِصَةٌ » مبتدأ، و «أَبْصَارُ » فاعل سد مسد الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة٨.
الثالث : قال الزمخشري :«هِيَ » ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر «الَّذِينَ ظَلَمُوا » «وَأَسَرُّوا »٩. ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين : وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار : تقدمت لدلالة١٠ الكلام ومجيء ما يفسرها، وأنشد شاهداً على ذلك :

٣٧٣٧- فَلاَ وَأَبِيهَا لا تَقُولُ خَلِيلَتِي أَلاَ فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ١١ ١٢
الرابع : أن تكون «هِيَ » عماداً١٣، وهو قول الفراء أيضاً قال : لأنه يصلح موضعها هو، فتكون كقوله : إِنَّهُ أَنَا الله ١٤ ومثله : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ١٥ وأنشد :
٣٧٣٨- بِثَوب ودينارٍ وشاة ودرهم فَهَلْ هُوَ مَرْفُوع بِمَا هَاهُنَا رَاس١٦
وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو : هو خير منك١٧ زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو حيان : أجاز هو القائم زيد، على أنَّ زيداً هو المبتدأ، والقائم خبره، وهو عماد، وأصل المسألة : زيد هو القائم١٨.
قال شهاب الدين : وفي التمثيل نظر، لأنّ تقديم الخبر هنا ممتنع لاستهوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم١٩. فيكون أصل الآية الكريمة : فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، «شَاخِصَة »، قدم معها العماد.
وهذا أيضاً إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير المقارنة للمعرفة٢٠.
الخامس : أن تكون «هِيَ » مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على «هِيَ » ويبتدأ بقوله : شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ، والتقدير : فإذا هي بارزة، أي : الساعة بارزة أو حاضرة و «شَاخِصَةٌ » خبر مقدم، و «أَبْصَارُ » مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي٢١.
وهو بعيد جداً لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان٢٢.
قوله : يَا وَيْلَنَا معمول لقول محذوف، أي : يقولون يَا وَيْلَنَا٢٣. وفي هذا القول المحذوف وجهان :
أحدهما : أنه جواب «حتى إذا » كما تقدم٢٤.
والثاني : في محل تصب على الحال من الذين كَفَرُواْ قاله الزمخشري٢٥.
قوله : قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا٢٦ : إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب محمد، وعبادة الأوثان٢٧.
١ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]..
٢ في ب: أي وناديناه. أي: أن جواب الشرط قوله: "واقترب" على زيادة الواو، وهو مذهب الكوفيين. انظر معاني القرآن ٢/٢١١، إعراب القرآن ٢/٨٨، البيان ٢/١٦٦، التبيان ٢/٩٢٧..
٣ الفَلُوُ والفُلُو والفِلُو: الجحش والمهر إذا فطم، والجمع أفلاء. اللسان (فلا)..
٤ انظر البغوي ٥/٥٣٣، البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٥ ما بين القوسين سقط من الأصل. أي: أن جواب الشرط محذوف تقديره قالوا يا ويلنا، وهو مذهب البصريين ذكره الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠٥..
٦ هي: سقط من ب..
٧ أي أن مفسر ضمير الشأن والقصة لا يكون عندهم إلا جملة. التبيان ٢/٩٢٨، البحر المحيط ٦/٣٣٩، المغني ٢/٤٩٠..
٨ الكوفيون والأخفش يجوزون تفسير ضمير الشأن والقصة بمفرد له مرفوع نحو: كان قائما زيد، وظننته قائما عمرو. البحر المحيط ٦/٣٣٩. المغني ٢/٤٩٠..
٩ من قوله تعالى: لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم [الأنبياء: ٣] الكشاف ٣/٢١..
١٠ في الأصل: في دلالة..
١١ البيت من بحر الطويل قاله مالك بن أبي كعب. وهو في معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢ برواية: لعمر أبيها لا تقول ظعينتي. وتفسير ابن عطية ١٠/٢٠٨. والقرطبي ١١/٣٤٢، البحر المحيط ٦/٣٤٠. الظعينة: المرأة في الهودج. الخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل والأنثى خليلة..
١٢ الدر المصون ٥/٥٩، وانظر أيضا معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢..
١٣ يريد بقوله: (عمادا) ضمير الفصل والفصل تسمية البصريين والعماد تسمية الكوفيين. وهذا الضمير يشترط فيما قبله كونه مبتدأ في الحال أو في الأصل، وأجاز الأخفش وقوعه بين الحال وصاحبها نحو جاء زيد هو ضاحكا. وكونه معرفة، وأجاز الفراء وهشام ومن تابعهما من الكوفيين كونه نكرة نحو: ما ظننت أحدا هو القائم. ويشترط فيما بعده كونه خبرا في الحال أو في الأصل، وكونه معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل (أل)، وشرط الذي كالمعرفة أن يكون اسما كخير، وخالف في ذلك الجرجاني فألحق المضارع بالاسم لتشابههما، وجعل منه إنه هو يبدئ ويعيد [البروج: ١٣] ويشترط فيه أن يكون بصيغة المرفوع، وأن يطابق ما قبله، فلا يجوز كنت هو الفاضل. وفائدته الإعلام من أول الأمر بأن ما بعده خبر لا تابع، ولهذا سمي فصلا، لأنه يفصل بين الخبر والتابع، وعمادا لأنه يعتمد عليه معنى الكلام، والتوكيد والاختصاص. وزعم البصريون أنه لا محل له وقال الكوفيون له محل، ثم قال الكسائي محله بحسب ما بعده، وقال الفراء بحسب ما قبله. انظر المغني ٢/٤٩٣-٤٩٧..
١٤ من قوله تعالى: يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم [النمل: ٩]..
١٥ [الحج: ٤٦]..
١٦ البيت من بحر الطويل لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢. والبحر المحيط ٦/٣٤٠، شرح التصريح ٢/٧٢، الهمع ٢/٩٩، ١٠١ الدرر ٢/١٣٣، ١٣٤..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١٨ البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١٩ في الأصل: وهي..
٢٠ أجاز قوم من الكوفيين وقوع العماد بين نكرتين مطلقا، وخرجوا عليه أن تكون أمة هي أربى من أمة [النحل: ٩٢]. وذهب قوم منهم إلى جواز وقوعه بعد اسم (لا) نحو لا رجل منطلق. وذهب آخرون إلى جواز وقوعه قبل المضارع نحو كان زيد هو يقوم. علما بأنه يشترط فيما بعده أن يكون معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل أل نحو زيد هو خير منك. وذهب قوم إلى جواز وقوعه بين نكرتين كمعرفتين في امتناع دخول أل نحو: ما أظن أحدا هو خيرا منك. انظر الهمع ١/٦٨..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٣ انظر الكشاف ٣/٢١، التبيان ٢/٩٢٨، البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٤ تقدم قريبا..
٢٥ الكشاف ٣/٢١..
٢٦ في الأصل: وقد قلنا..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية