واقترب الوعد عطف على فتحت ، والمراد : ما بعد الفتح من الحساب. وقال الفراء والكسائي وغيرهما : المراد بالوعد الحق : القيامة والواو زائدة ؛ والمعنى : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب إذا، وأنشد الفراء :
فلما أجزنا ساحة الحي والتحى ***. . .
أي انتحى، ومنه قوله تعالى : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وناديناه [ الصافات : ١٠٣، ١٠٤ ]. وأجاز الفراء أن يكون جواب إذا فَإِذَا هِيَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُوا وقال البصريون : الجواب محذوف، والتقدير : قالوا : يا ويلنا. وبه قال الزجاج، والضمير في فَإِذَا هِيَ للقصة، أو مبهم يفسره ما بعده، وإذا للمفاجأة. وقيل : إن الكلام تمّ عند قوله هي ، والتقدير : فإذا هي، يعني : القيامة بارزة واقعة كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال : شاخصة أبصار الذين كفروا على تقديم الخبر على المبتدأ، أي أبصار الذين كفروا شاخصة، و يا ويلنا على تقدير القول : قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ منْ هذا أي من هذا الذي دهمنا من العبث والحساب بَلْ كُنَّا ظالمين أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل.
وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ قال : كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : وهبنا له ولدها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى، وفي قوله : وَكَانُوا لَنَا خاشعين قال : أذلاء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً قال : رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً قال :( رغباً هكذا ورهباً هكذا وبسط كفيه )، يعني : جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن حكيم قال : خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خاشعين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً قال : إن هذا دينكم ديناً واحداً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله : وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قال : تقطعوا : اختلفوا في الدين. وأخرج الفريابي وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها قال : وجب إهلاكها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قال : لا يتوبون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ :«وَحَرَّمَ على قَرْيَةٍ» قال : وجب على قرية أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ كما قال : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [ يس : ٣١ ]. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : من كُلّ حَدَبٍ قال : شرف يَنسِلُونَ قال : يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا كثير فائدة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني