٩٧ - قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ اختلفوا في هذه الواو: فقال الفراء: الواو مقحمة زائدة، المعنى: حتى إذا فتحت اقترب، ودخول الواو هاهنا بمنزلة قوله: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧٣]، ومثله فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]، ومعناه: ناديناه، وأنشد قول أمرىء القيس (١):
| فلمَّا أجَزْنَا ساَحَة الحيّ وانْتَحَى | بنا بَطْن خَبْتٍ ذي حقاف عَقنْقَلِ |
بنا بطن ذي ركام عقنقل
و"شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري ص ٥٤ مثل رواية الفراء، و"تهذيب اللغة" للأزهري ١١/ ١٤٨ (جئز) وفيه: ذي حقاف، و"لسان العرب" ٥/ ٣٢٦ (جوز) وفيه: ذي قفاف، قال: ويروى ذي حقاف. قال البطليوسي في "الاقتضاب" ٣/ ٢١٧: ومعى (أجزنا): (قطعنا وخلفنا، وساحة الحي: فناؤه، و (انتحى) اعترض. والحقف: الكثيب من الرمل يعوج وينثني، وبطنه: ما انخفض وغمض، و (ركامه): (ما تراكم منه بعضه فوق بعض، والعقنقل: ما تعقد منه ودخل بعضه في بعض. اهـ.
وانظر: "شرح السبع الطوال" لابن الأنباري ص ٥٤ - ٥٥، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص ٨٦.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢١١ دون قوله: الواو زائدة مقحمة.
وقد قال بزيادة الواو في هذه المواطن الكوفيون، ومنع من زيادتها جمهور البصريين. قال ابن جني في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٤٦ بعد ذكره لقول الكوفيين في إجازة أ، تكون الواو زائدة: فأما أصحابنا -يعني البصريين- فيدفعون هذا التأويل البتة، ولا يجيزون زيادة هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها والاعتياد في مثلها. =
ونحو هذا قال الكسائي (١) قال: والعرب تدخل الواو في جواب (حتى إذا) (٢) و (لما) و (حين) و (ساعة) و (يوم) و (الواو) (٣) و (الفاء) و (ثم)، ومعناها الطرح فتقول: لما فعلت كذا وحين فعلت كذا، وأقبل (٤) يفعل أو ثم أقبل، والمراد أقبل يفعل، ومعنى (ثم) والواو الطرح.
قال أبو إسحاق: والواو عند البصريين لا يجوز أن تدخل ويكون معناها الطرح، وجواب (حتى إذا) [مضمر في الآية] (٥) لأن قوله: يَا وَيْلَنَا
وذكر ابن جني الجواب عن الآيتين اللتين استشهد بهما الفراء فقال ٢/ ٦٤٦ - ٦٤٧ عن قوله {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ: وتأويل ذلك عندنا على معنى: فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أدرك ثوابنا ونال المنزلة الرفيعة عندنا.. وكذلك قوله -عز وجل-: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا تقديره: صادفوا الثواب الذي وعدوه. أهـ.
وأما البيت الذي استشهد به الفراء فقد قال أبو عبيدة كما في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص ٥٥: (وانتحى): (نسق على (أجزنا) وجواب فلما أجزنا: (هصرت بفودي رأسها). أهـ.
وانظر أيضًا: "الكتاب" لسيبويه ٣/ ١٠٣، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري ٢/ ٤٥٦ - ٤٦٢، "شرح المفصل" لابن يعيش ٩/ ١٥٠، "رصف المباني" للمالقي ص ٤٨٧ - ٤٨٨، "الجنى الداني" للمرادي ص ١٦٤ - ١٦٦، "مغني اللبيب" لابن هشام ٢/ ٤١٧.
(١) ذكر النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ٨٠، والقرطبي ١١/ ٣٤٢ عن الكسائي أن الواو في هذه الآية زائدة.
(٢) في (أ): (إذ).
(٣) في (أ): (الواو).
(٤) في (أ): (قيل).
(٥) ساقط من (أ). وفي (أ) عوضا منه: (أنتم).
قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ} هاهنا قول محذوف، المعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا. وخروج يأجوج ومأجوج من أعلام الساعة (١).
الْوَعْدُ الْحَقُّ قال ابن عباس: يريد القيامة (٢).
قال الكسائي (٣): ويجوز أن يكون واقترب عطفاً على "إذا فتحت" ويكون قوله: فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ جواباً لهما لـ حَتَّى إِذَا ولقوله وَاقْتَرَبَ.
قوله تعالى: فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ قال الفرَّاء (٤): تكون "هي" عمادًا (٥) يصلح في موضعها "هو" فتكون كقوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ [النمل: ٩] ومثله فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ [الحج: ٤٦] فجاز (٦) التأنيث؛ لأن
وحسّن النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ٨١ قول الزجاج في تقدير جواب إذا.
وحكى أبو حيان ٦/ ٣٣٩ تقدير الزجاج ثم قال: أو تقديره: فحينئذ يبعثون. وفي جواب (إذا) وجه آخر -سيذكره المصنف عن الكسائي- وهو فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، قال الزمخشري ٢/ ٥٨٤، واختاره ابن عطية ١٠/ ٢٠٥ وحكا أبو حيان ٦/ ٣٣٩، والسمين الحلبي ٨/ ٢٠٢ عن الحوفي.
(٢) الثعلبي ٣/ ٤٣ ب، البغوي ٥/ ٣٥٥، القرطبي ١١/ ٣٤٢ من غير نسبة.
(٣) ذكر النحاس في"إعراب القرآن" ٣/ ٨١ عن الكسائي أنه أجاز أن يكون جواب "إذا" "فإذا شاخصة".
(٤) (الفراء): ساقطة من (ز).
(٥) العماد عند الكوفيين هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم: ضمير الفصل. قال ابن عقيل في "شرح التسهيل" لابن مالك ١/ ١١٩: وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ يتبين به أن الثاني ليس بتابع للأول.
وانظر: "همع الهوامع" للسيوطي ١/ ٦٨.
(٦) في (د)، (ع): (فجاءت)، وفي المطبوع من الفراء: فجاء.
الأبصار مؤنثة والتذكير للعماد. قال: وسمعت بعض العرب يقول: كان مرة وهو ينفع الناس أحسابهم. فجعل "هو" عمادًا. قال: وأنشدني بعضهم (١):
| بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ | فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ |
| فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته | على العيس في آباطها عرق يبس |
| بأن السلامي الذي بضرية | أمير الحمى قد باع حقي بني عبس |
(٢) في (ع): (يرتفع).
(٣) قوله: أراد.. عمادا. هذا من كلام الواحدي وليس من كلام الفرّاء.
(٤) عند الفراء: لتفسرها.
(٥) البيت أنشده الفراء في "معانيه" ٢/ ٢١٢ من غير نسبة.
وهو من غير نسبة: الطبري ١٧/ ٩٢، "المحرر الوجيز" ١٠/ ٢٠٨، القرطبي ١١/ ٣٤٢، "البحر المحيط" ٦/ ٣٤٠، "الدر المصون" ٨/ ٢٠٥.
ونسبه الأصبهاني في "الأغاني" ١/ ٤٤٢، ١٦/ ٢٣٤ لمالك بن كعب والد كعب بن مالك الصحابي المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، ورواية "الأغاني": "خليلتي" مكان ظعينتي.
قال الأصفهاني ١٦/ ٢٣٤ عن مالك بن أبي كعب: وهو شاعر وله خبرٌ، وذكر في حرب الأوس والخزرج.
والظَّعينة: هي المرأة في الهودج، هذا هو الأصل، ثم كثر ذلك حتى قيل للمرأة بلا هودج ظعينة. انظر: "لسان العرب" ١٣/ ٢٧١ (ظعن).
لعمرُ أبيها لا تقول ظعينتي.... ألا فَرَّعَنِّي مالك بن أبي كعب
فذكر الظعينة وقد كنَّى عنها. انتهى كلامه (١).
وعلى هذا إضمار على شريطة التفسير (٢) [أضمر الأبصار، ثم فسرها بقوله: أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣) وقد ذكرنا معنى الإضمار على شريطة التفسير] (٤) وبيَّنا هذه المسألة عند قوله: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ [يوسف: ٧٧] من كلام أبي علي (٥).
وقال المبرِّد -في هذه الآية-: قال سيبويه؛ إذا كان الخبر عن مذكر فحق الاضمار أن يكون بعلامة التذكير نحو قوله: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا [طه: ٧٤] وكذلك: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا [الجن: ٣] تقديره: إن الأمر هذا، وإذا كان الخبر عن مؤنث يصلح أن يكون الإضمار بعلامة التأنيث ويكون تقديره: القصة نحو قولك: إنها أمَةُ الله خارجة، وإنَّها دارك خير من دار زيد، أي القصة كذا، ولو قلت: إنّه دارك، أي: إن الأمر، كان جيدًا بالغا، وإنما مِلْت إلى الضمير الذي يدل على القصة ليُنْبئْ عن أنَّك تريد أنْ يذكر مؤنثًا (٦).
(٢) قال نور الدين الجامي في شرحه لكافية ابن الحاجب ١/ ٣٥١: الشريطة والشرط واحد، وإضافتها إلى التفسير بيانية، أي: أضمر عامله على شرط وهو تفسيره.
(٣) وهذا قول الزمخشري. انظر: "الكشاف" ٢/ ٥٨٤.
(٤) ساقط من (ع).
(٥) انظر: "البسيط" سورة يوسف: ٧٧.
(٦) انظر: "المقتضب" ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، "الكتاب" ١/ ٦٩ - ٧١، ٢/ ٧٢، "شرح المفضل" لابن يعيش ٣/ ١١٦، "ارتشاف الضرب" لأبي حيان ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧، "شرح التسهيل" لابن عقيل ١/ ١١٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي