ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) يقول: من كلّ شرف يُقبلون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن قتادة (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) قال: من كلّ أكمة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) قال: الحدب: الشيء المشرف، وقال الشاعر:
عَلى الحِدَابِ تَمُورُ (١)
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) قال: هذا مبتدأ يوم القيامة.
وأما قوله (يَنْسِلُونَ) فإنه يعنى: أنهم يخرجون مشاة مسرعين في مشيهم كنسلان الذئب، كما قال الشاعر:
| عَسَلانَ الذئْبِ أمْسَى قارِبا | بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ (٢) |
(٢) البيت للبيد أو للنابغة الجعدي (اللسان: عسل، ونسل). وعسل الذئب والثعلب يعسل عسلا وعسلانا: مضى مسرعا، واضطرب في عدوه، وهز رأسه. والقارب: الذي يطلب الماء ليلا، يسير إليه مسرعا. ونسل الماشي ينسل (كيضرب ويقتل) نسلا (بالتسكين والتحريك) ونسلانا: أسرع. وأصل النسلان للذئب، ثم استعمل في غيره.
يقول تعالى ذكره: حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الحقّ، وذلك وعد الله الذي وعد عباده أنه يبعثهم من قبورهم للجزاء والثواب والعقاب، وهو لا شك حق كما قال جلّ ثناؤه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، يعني ابن قيس، قال: ثنا حذيفة: لو أن رجلا افتلى فَلوّا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم القيامة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) قال: اقترب يوم القيامة منهم، والواو في قوله (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) مقحمة، ومعنى الكلام: حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، وذلك نظير قوله (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) معناه: نادينا، بغير واو، كما قال امرؤ القيس:
| فَلَمَّا أجَزْنا ساحَة الحَيّ وَانْتَحَى | بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (١) |
وقوله (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ففي هي التي في قوله فإذا هي وجهان: أحدهما أن تكون كناية عن الأبصار، وتكون الأبصار الظاهرة بيانا عنها، كما قال الشاعر:
| لَعَمْرو أَبِيهَا لا تَقُولُ ظَعِينَتي | ألا فَرّ عَنِّي مالكُ بن أبي كَعْبِ (٢) |
(٢) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٠٧ من مصورة الجامعة) عند قوله تعالى: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) قال: تكون هي عمادا يصلح في موضعها هو، فتكون كقوله "إنه أنا الله العزيز ". ومثله قوله: " فإنها لا تعمي الأبصار" فجاء التأنيث لأن الأبصار مؤنثة، والتذكير للعماد... وإن شئت جعلت هي للأبصار، كنيت عنها ثم أظهرت الأبصار لتفسرها، كما قال الشاعر: لعمر أبيها... البيت " اه.
وعلى كلام الفراء يكون الضمير " في أبيها " مفسرًا بقوله ظعينتي. ومثله الضمير " هي " في الآية " فإذا هي " مفسر بقوله " أبصار ". وقال أبو البقاء العكبري في إعراب القرآن وهو كالوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما الفراء: إذا للمفاجأة، وهي مكان. والعامل فيها شاخصة. و " هي ": ضمير القصة. و " أبصار الذين " مبتدأ وشاخصة خبره. وقال الشوكاني في فتح القدير (٣: ٤١٣) مبنيا للوجهين: الضمير في فإذا هي للقصة، أو مبهم يفسره ما بعده. وإذا للمفاجأة.
فكنى عن الظعينة في: لعمرو أبيها، ثم أظهرها، فيكون تأويل الكلام حينئذ: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا.
والثاني: أن تكون عمادا كما قال جلّ ثناؤه (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ) وكقول الشاعر:
فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِما هَهُنا رأْسْ (١)
وقوله (يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) يقول تعالى ذكره: فإذا أبصار الذين كفروا قد شخصت عند مجيء الوعد الحقّ بأهواله وقيام الساعة بحقائقها، وهم يقولون: يا ويلنا قد كنا قبل هذا الوقت في الدنيا في غفلة من هذا الذي نرى ونعاين ونزل بنا من عظيم البلاء، وفي الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وذلك يقولون من قوله (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ
| فأَبْلِغْ أبا يَحْيَى إذَا ما لَقِيتَهُ | على العِيسِ في آباطِها عَرَقٌ يَبْس |
| بأنَّ السُّلامِيَّ الَّذِي بِضَرِيَّةٍ | أمِيرَ الحِمَى قدْ باعَ حَقي بني عَبْس |
| بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ | فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هاهُنا رَأْس |
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر