( يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا( أي صلوا عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما ركنان لها لازمان لا تنفك عنهما بخلاف غيرهما من الأركان فإن القراءة تسقط عن الأخرس والقيام عمن لا يستطيعه وأما الركوع والسجود فلا يسقطان أبدا عند أبي حنيفة رحمه الله حيث قال من لم يقدر على الإيماء برأسه للركوع والسجود يتأخر عنه الصلاة ولا يتأدى بالإيماء بالحاجب أو القلب ( واعبدوا ربكم( بكل ما يصلح كونه عبادة له تعالى :( وافعلوا الخير( قال ابن عباس هو صلة الرحم ومكارم الأخلاق والظاهر أنهه يعم الأفعال كلها يعني اختاروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون به وما تذرونه ( لعلكم تفلحون( الجملة في محل النصب على الحال أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له ولا واثقين بأعمالكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " وأوحي إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من امتك لا تكلوا على أعمالهم فإني لا أناصب عبدا لحساب يوم القيامكة أشاء إن أعذبه إلا عذبته وقل لأهل معصيتي من أمتك لا يلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي " رواه أبو نعيم عن علي عليه السلام، واخرج البزار عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم :" يخرج لابن آدم ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى، يقول الله لأصغر نعمه في ديوان النعم خذي منك من العمل الصالح فتستوعب العمل الصالح فيقول : وعزتك استوعبت ويبقى الذنوب وقد ذهب العمل الصالح كله، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمتي ".
مسألة : اختلف أهل العلم في سجود التلاوة عند هذه الآية ؟ فقال أبو حنيفة ومالك وسفيان الثوري وغيرهم أنه لا سجود ها هنا لأن المراد بالسجود ها هنا السجود الصلاتي بدليل كونه مقرونا بالركوع والمعهود في مثله من القرآن ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو :( واسجدي واركعي مع الراكعين( ١ وقال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم لا بد ها هنا أن يسجد للتلاوة لحديث عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله " أفضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال " نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " ٢ رواه أحمد وأبو داود والترمذي ( واللفظ له ) والدارقطني والبيهقي والحاكم وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف قال الترمذي إسناده ليس بالقوي وقال ابن الجوزي قال ابن وهب ابن لهيعة صدوق يعني إنما ضعفه لأجل حفظه وقال الحاكم عبد الله بن لهيعة أحد الأئمة وإنما تم اختلاطه في آخر عمره وقد تفرد به وروى أبو داود في المراسيل عنه صلى الله عليه وسلم قال :" فضلت سورة الحج بسجدتين " قال : وقد أسند هذا ولا يصح وحديث عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة آية سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان٣ رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وحسنه المنذري والنووي وضعفه عبد الحق وابن القطان وفيه عبد الله بن منين الكلالي وهو مجهول والراوي عنه الحارث بن سعيد الثقفي المصري وهو لا يعرف أيضا، وقال ابن ماكولا ليس له غيره هذا الحديث وأكد الحاكم حديث عقبه بن عامر بأن الرواية صحت فيه من قول عمر ابنه وبن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عليهم وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق خالد بن معدان مرسلا وقال البغوي وهو قول عمرو علي وابن مسعود وابن عمر قلت : الموقوف في الباب له حكم المرفوع وقد ذكرنا مسائل سجود التلاوة في سورة الانشقاق
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في السجدة في الحج (٥٧٤)..
٣ أخرجه ابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: عدد سجود القرآن (١٠٥٧)..
التفسير المظهري
المظهري