(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أي يعلم ما كان بين أيدى ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم.
وخلاصة ذلك- يعلم مستقبل أحوالهم وماضيها.
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي وإليه ترجع الأمور يوم القيامة، فلا أمر ولا نهى لأحد سواه، وهو يجازى كلا بما عمل إن خيرا وإن شرا.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
تفسير المفردات
فى الله: أي فى سبيله، والجهاد كما قال الراغب: هو استفراغ الوسع فى مجاهدة العدو، وهو ثلاثة أضرب:
(ا) مجاهدة العدو الظاهر كالكفار.
(ب) مجاهدة الشيطان.
(ج) مجاهدة النفس والهوى، وهذه أعظمها فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال: «قدم على رسول الله ﷺ قوم غزاة فقال: قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه».
والمراد بالجهاد هنا ما يشمل الأنواع الثلاثة، كما يؤيده ما روى عن الحسن أنه قرأ الآية وقال: «إن الرجل ليجاهد فى الله تعالى وما ضرب بسيف».
واجتباكم: أي اختاركم، حرج: أي ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم، واعتصموا بالله أي استعينوا به وتوكلوا عليه، مولاكم: أي ناصركم.
المعنى الجملي
بعد أن تكلم فى الإلهيات ثم فى النبوات- أتبعهما بالكلام فى الشرائع والأحكام.
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اخضعوا لله، وخروا له سجدا، واعبدوه بسائر ما تعبّدكم به، وافعلوا الخير الذي أمركم بفعله من صلة الأرحام ومكارم الأخلاق، لتفلحوا وتفوزوا من ربكم بما تؤمّلون من الثواب والرضوان.
(وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) أي وجاهدوا فى سبيل الله جهادا حقا خالصا لوجهه لا تخشون فيه لومة لائم.
(هو اجتباكم) أي هو اختاركم من سائر الأمم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.
(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي وما جعل عليكم فى الدين الذي تعبدكم به ضيقا لا مخرج لكم منه، بل وسّع عليكم وجعل لكم من كل ذنب مخلصا، فرخص لكم فى المضايق فالصلاة وهى أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب فى الحضر أربعا وفى السفر تقصر إلى اثنتين، ويصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه،
وأباح الفطر حين السفر وحين الإرضاع والحمل والشغل فى شاقّ الأعمال، ولم يوجب علينا الجمعة فى المساجد حين السفر أو الخوف من عدو أو سبع أو مطر إلى نحو أولئك، كما فتح لكم باب التوبة وشرع لكم الكفارات فى حقوقه ودفع الدية بدل القصاص إذا رضى الولي.
ونحو الآية قوله سبحانه: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وقوله: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وقوله: «رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا».
(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) أي وملتكم هى ملة أبيكم إبراهيم الحنيفية السمحة التي لم يعتورها جنف ولا إشراك.
ونحو الآية قوله تعالى: «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» الآية.
(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، وَفِي هذا) أي إن الله سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم- المسلمين فى الكتب المتقدمة وفى هذا الكتاب.
وخلاصة هذا- إنه تعالى ذكر أنه اختارهم من بين سائر الأمم، ثم حثهم على اتباع ما جاءهم به الرسول، لأنه ملة أبيهم إبراهيم، ثم نوّه بذكره والثناء عليه فى كتب الأنبياء قبله وفى القرآن.
(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي إنما جعلكم هكذا أمة وسطا عدولا مشهودا بعدالتكم بين الأمم، ليكون محمد صلّى الله عليه وسلّم شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوهم ما أرسلوا به إليهم.
وإنما قبلت شهادتهم على الناس لسائر الأنبياء، لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم، ولاعتراف سائر الأمم يومئذ بفضلهم على سواهم، وقد تقدم ذكر هذا فى سورة الأنعام عند قوله: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» الآية.
ولما ندبهم لأداء الشهادة على الأمم جميعا طلب منهم دوام عبادته والاعتصام بحبله المتين فقال:
(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ) أي فقابلوا هذه النعم العظيمة بالقيام بشكرها، فأدّوا حق الله عليكم بطاعته فيما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة التي هى وصلة بينكم وبين ربكم، وإيتاء الزكاة التي هى طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم، واستعينوا بالله فى جميع أموركم، وهو ناصركم على من يعاديكم.
ثم علل الاعتصام به بقوله:
(فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) أي إن من تولاه كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه، إذ لا ناصر فى الحقيقة سواه ولا ولىّ غيره، فله الحمد وهو رب العالمين.
خلاصة ما تضمنته السورة من الحكم والأحكام
(١) وصف حال يوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال تشيب منها الولدان.
(٢) جدال عبدة الأصنام والأوثان بلا حجة ولا برهان.
(٣) إثبات البعث وإقامة الأدلة عليه.
(٤) وصف المنافقين المذبذبين فى دينهم وعدم ثباتهم على حال واحدة.
(٥) ما أعد الله لعباده المؤمنين من الثواب المقيم فى جنات النعيم.
(٦) بيان أن الله ناصر نبيه ومظهر دينه على سائر الأديان.
(٧) بيان أن الله يحكم يوم القيامة بين عباده من أرباب الديانات المختلفة ويجازى كلا بما يستحق.
(٨) إقامة الأدلة على وجود خالق السموات والأرض وبيان أن العالم كله خاضع لقدرته.
(٩) أمر المؤمنين بقتال المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم، وبيان أن هذا القتال لا بد منه لنصرة الحق فى كل زمان ومكان وأن الله ينصر من يدافع عنه.
(١٠) تسلية الرسول على ما يناله من أذى قومه وأنهم ليسوا بدعا فى الأمم، فكثير ممن قبلهم كذبوا رسلهم ثم كانت العاقبة للمتقين، وأهلك الله القوم الظالمين، والعبرة ماثلة أمامهم فى حلهم وترحالهم.
(١١) بيان أن المفسدين يلقون الشبهات على الحق ليزلزلوا عقائد المؤمنين، لكنها لا تلبث أن تزول وينكشف نور الحق ويزيل ظلام الباطل.
(١٢) الثواب على الهجرة لله ورسوله سواء قتل المهاجر أو مات.
(١٣) وصف حال الكافرين إذا تلى عليهم القرآن، بما يظهر على وجوههم من أمارات الغضب.
(١٤) بيان أن الله يرسل رسلا من الملائكة ورسلا من البشر وأن الله عليم بمن يصلح لهذه الرسالة.
(١٥) أمر المؤمنين بدوام الصلاة والزكاة وفعل الخيرات والجهاد حق الجهاد فى سبيل الحق.
(١٦) بيان أن الدين يسر لا عسر، وأنه كمّلة إبراهيم سمح لا شدة فيه.
(١٧) بيان أن الرسول شهيد على أمته يوم القيامة وأن هذه الأمة تشهد على الأمم السالفة بأن رسلهم قد بلغوهم شرائع الله وما قصّروا فى ذلك.
اللهم ألهمنا الحق، واهدنا سبيل الرشاد، وتقبل أعمالنا، إنك أنت السميع المجيب.
قد انتهى تفسير هذا الجزء فى اليوم الثامن عشر من ذى الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وألف بعد الهجرة بمدينة حلوان من أرباض القاهرة قاعدة الديار المصرية، وفقنا الله لإتمام تفسير كتابه الكريم.
فهرست أهم المباحث العامة التي فى هذا الجزء
المبحث ٣ فى الحديث: «بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادى» ٦ طعن المشركون فى نبوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأمرين ٧ طلب المشركون من النبي صلّى الله عليه وسلّم آية أخرى غير القرآن ١١ فضل القرآن ١٣ كانت الأمم السابقة تعترف بظلمها حين إهلاكها ١٤ فساد المطاعن التي وجهوها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ١٧ السموات والأرض لم تخلقا عبثا فلابد من الحساب والجزاء ١٩ لو كان فى السموات والأرض إلهان لفسدتا ٢٠ الكتب السماوية جميعا جاءت بوحدانية الله وطلب عبادته ٢١ الملائكة عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ٢٤ الأدلة على وجود الله ٢٩ الدنيا ما خلقت للخلود والدوام ٣٠ الابتلاء والفتنة تكون بالخير والشر ٣٢ جبل الإنسان على حب العجلة ٣٤ تأتى الساعة بغتة وهم لا يشعرون ٣٩ يوم القيامة يدعو المشركون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور ٤١ أوصاف المتقين
٤٢ حجاج إبراهيم لأبيه وقومه ودعوتهم إلى التوحيد ٤٤ احتجاج قومه بالتقليد ٤٦ كسر إبراهيم عليه السلام للأصنام ٤٧ رجوع قوم إبراهيم على أنفسهم بالملامة ٥١ اتفاق قوم إبراهيم على إحراق إبراهيم ٥٣ النعم التي أفاض الله بها على إبراهيم ٥٤ النعم التي أسبغها على لوط ٥٦ ما أنعم الله به على داود وسليمان ٥٧ قضاء داود وسليمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ٥٨ نعم الله على داود عليه السلام نعم الله على سليمان عليه السلام ٦١ ما أحيطت به قصة أيوب من العجائب والغرائب ٦٣ نداء يونس عليه السلام لربه فى الظلمات واستجابة الله له ٦٦ دعاء زكريا ربه واستجابته لدعوته ٦٨ لبّ الدين عند الله واحد واختلاف الأديان فى التفاصيل ٧٣ الأصنام وعابدوها فى النار، وحكمة ذلك ٧٤ أحوال أهل النار وما يلاقونه من الأهوال ٧٥ ما كتب لأهل السعادة فى الجنة ٧٦ صلاح الأمة يقوم على أربعة عمد ٧٨ الرسول صلّى الله عليه وسلّم أرسل رحمة للعالمين ٨٣ ما اشتملت عليه سورة الحج من المباحث ٨٥ أهوال يوم القيامة ٨٦ ذمّ المجادل بغير علم
صفحة رقم 154٨٨ مراتب الخلق والاستدلال بها على البعث ٩١ المجادل بلا عقل صحيح ولا نقل صريح ٩٤ من الناس المذبذب المضطرب فى دينه ٩٧ إثبات نصر الرسول والمبالغة فى ذلك بما لا مزيد عليه ٩٨ القرآن هاد إلى سواء السبيل الأديان ستة خمسة للشيطان وواحد للرحمن ٩٩ السجود ضربان اختياري وتسخيرى ١٠٠ من يهنه الله فلا مكرم له ١٠٢ جزاء الكافرين يوم القيامة ١٠٣ جزاء المؤمنين يومئذ ١٠٥ جزاء الصادّ عن البيت الحرام ١٠٦ تأنيب من يصد عنه من المشركين ١٠٨ سبب الأمر بزيارة البيت الحرام ١٠٩ ذبح الأنعام وأكلها حلال إلا ما حرم ١١٠ من أشرك بالله فقد أهلك نفسه وكان كمن سقط من السماء فتخطفه الطير ١١٢ الذبح وإراقة الدماء قربة لله ليس بخاص بهذه الأمة ١١٣ علامات المخبتين ١١٤ الهدايا من شعائر الله ودليل تقواه ١١٧ وعد الله رسوله والمؤمنين بالنصر على المشركين ١١٩ تحريض المؤمنين على القتال وبيان أن به انتظام أمر الجماعات ١٢١ تسلية الرسول على ما يرى من قومه من الأذى ١٢٤ كان المشركون يستهزئون بالعذاب فيستعجلونه
صفحة رقم 155١٢٥ سنة الله إهلاك الظالمين ولو بعد حين ١٢٦ وعد الله للمتقين ووعيده للكافرين ١٢٨ إلقاء المشركين الشبه والأوهام فيما يقرأ من القرآن ١٢٩ ما يفعله القساوسة والمبشرون الآن فى البلاد الإسلامية ١٣١ هداية الله لعباده المؤمنين إلى الصراط المستقيم ١٣٣ المقتول فى سبيل الله والمهاجر إعزازا لدين الله فى الأجر سواء ١٣٥ الله قدير على نصر عباده المؤمنين ١٣٦ الله سابغ نعمه على عباده المؤمنين ١٣٨ لكل أمة منسك وشريعة خاصة بها ١٤١ النعي على عبادة الأوثان والأصنام ١٤٢ لا دليل على صحة عبادة الأصنام من عقل ولا نقل ١٤٣ كانت إذا تليت آيات القرآن على المشركين ظهر على وجوههم آثار الغيظ والألم ١٤٥ الأصنام لا تستطيع خلق الذباب ولا تدفع عن نفسها ما يسلب منها ١٤٧ الجهاد ضروب ١٤٨ الدين يسر لا عسر ١٤٩ الرسول صلّى الله عليه وسلّم شهيد عليكم وأنتم شهداء على الناس
صفحة رقم 156
الجزء الثامن عشر
سورة المؤمنون
هى مكية وقد نزلت بعد سورة الأنبياء، وآيها ثمانى عشرة ومائة.
روى أن بعض الصحابة قالوا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله؟ قالت.
كان خلقه القرآن، ثم قرأت: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ- حتى انتهت إلى- وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها من وجوه:
(١) إنه تعالى ختم السورة السابقة بخطاب المؤمنين وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات لعلهم يفلحون- وحقق فلاحهم فى بدء هذه السورة.
(٢) إنه تكلم فى كل من السورتين فى النشأة الأولى وجعل ذلك دليلا على البعث والنشور.
(٣) إن فى كل من السورتين قصصا للأنبياء الماضين وأممهم ذكرت عبرة للحاضرين والآتين.
(٤) إنه نصب فى كل منهما أدلة على وجود الخالق ووحدانية.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي