لكن، لماذا الرجوع ؟.
لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ( ١٠٠ ) :
أي : أنني تركت كثيرا من أعمال الخير، فلعلي إن رجعت بعد أن عاينت الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات، أو لعلي أعمل صالحا فيما تركت، لأنني ضننت بمالي وبمجهودي وفضلي على الناس، وكنزت المال الكثير، وتركته خلفي ثم أحاسب أنا عليه، فإن عدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة.
ثم تأتي الإجابة : كلا إنها كلمة هو قائلها.. ( ١٠٠ ) [ المؤمنون ] : أي : قوله : ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، إنها مجرد كلمة لا واقع لها، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة، فالله تعالى لن يرجعهم، ولو أرجعهم ما فعلوا، لذلك نفاها بقوله ( كلا ) التي ترد على قضايا تريد إثباتها، ويريد الله تعالى نفيها كما ورد في سورة الفجر :
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ( ١٥ ) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ( ١٦ ) [ الفجر ].
فيرد الحق سبحانه :( كلا ) لا أنت صادق ولا هو، فليس المال والغنى وكثرة العرض دليل كرامة، ولا الفقر دليل إهانة، فكلتا القضيتين خطأ، بدليل أنك إذا أعطاك الله المال، ثم لا تؤدي فيه حق الله وحق العباد، ولا يعينك على أداء ما فرض عليك صار المال وبالا عليك وإهانة لا كرامة. ما جدوى المال إن دخلت في قوله تعالى : كلا بل لا تكرمون اليتيم ( ١٧ ) [ الفجر ] ؟ ساعتها سيكون مالك حجة عليك.
كذلك الحال مع من يظن أن الفقر إهانة، فإن سلب الله منك المال الذي يطغيك فقد أكرمك، وإن كنت لا تدري بهذا الإكرام.
ثم يقول سبحانه : ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ( ١٠٠ ) [ المؤمنون ] : أي : كيف يتمنون الرجوع وبينهم وبينه برزخ يمنعهم العودة إلى الدنيا، لذلك تسمى الفترة بين الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية، فليست من الدنيا، وليست من الآخرة.
وفي موضع آخر يصور الحق سبحانه هذا الموقف بقوله : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.. ( ٢٨ ) [ الأنعام ] : أي : لو رددناهم من الآخرة لعادوا لما كانوا عليه من معصية الله، وإن كانت هذه قضية عقلية ففي واقعهم ما يثبت صدق هذه القضية، واقرأ فيهم قول الله تعالى : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه.. ( ٨٣ ) [ الإسراء ] : فأخذ نعمة الله وتقلب فيها، ثم تنصل من طاعة الله.
ويقول تعالى في هذا المعنى أيضا : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه.. ( ١٢ ) [ يونس ].
إذن : المسألة اضطرارات، كلما اضطروا دعوا الله ولجئوا إليه، وتوسلوا، فخذوا من واقع حياتهم ما يدل على صدق حكمي عليهم لو عادوا من الآخرة.
والبرزخ : هو الحاجز بين شيئين، وهذا الحاجز يأخذ قوته من صاحب بنائه، فإن كان هذا الحاجز من صناعته- سبحانه وتعالى- فلن ينفذ منه أحد.
ومن ذلك قوله تعالى : مرج١ البحرين يلتقيان ( ١٩ ) بينهما برزخ لا يبغيان ( ٢٠ ) [ الرحمن ] : وما داما يلتقيان، فما فائدة البرزخ هنا ؟.
قالوا : نعم يلتقيان، ولا يبغى أحدهما على الآخر، لأن المسألة ليست سدا أو بناء هندسيا، إنما برزخ خاص لا يقدر عليه إلا طلاقة القدرة الإلهية التي خرقت النواميس، فجعلت الماء السائل جبلا، بعد أن ضربه موسى بعصاه، فصار كل فرق كالطود العظيم، طلاقة القدرة التي فجرت الحجر عيونا.
إذن : المسألة ليست ( ميكانيكا ) كما يظن البعض. والبرزخ بين الماء المالح والماء العذب آية من آيات الله شاخصة أمامنا، يمكننا جميعا أن نتأكد من صحة هذه الظاهرة.
لكن هذا البرزخ من أمامهم، فلماذا قال تعالى : ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ( ١٠٠ ) [ المؤمنون ] :
قالوا : لأن اللفظ الواحد يطلق في اللغة وله معان عدة واللفظ واحد، لذلك يسمونه المشترك، فمثلا كلمة عين تطلق على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى الجاسوس، وتقال للذهب والفضة، وللرجل البارز في قومه، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد، لذلك على السامع أن تكون عنده يقظة ليرد اللفظ إلى المعنى المناسب لسياقه.
وكذلك كلمة ( النجم ) فتعني الكوكب في السماء، وتعني كذلك ما لا ساق له من النبات، وهو العشب الذي ترعاه البهائم، ومنه قول الشاعر :
أراعي النجم في سيري إليكم**** ويرعاه من البيدا جوادي
فكلمة ( وراء ) تطلق ويراد بها معان عدة، قد تكون متقابلة يعينها السياق، فتأتي وراء بمعنى ( بعد ) كما في قوله تعالى : ومن وراء إسحاق يعقوب ( ٧١ ) [ هود ]، وتأتي بمعنى ( غير ) كما في قوله تعالى : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( ٧ ) [ المؤمنون ]،
وتأتي بمعنى ( أمام ) كما في قوله تعالى : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ( ٧٩ ) [ الكهف ] : فالملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة قادمة. وكذلك في قوله تعالى : من ورائه جهنم ( ١٦ ) [ إبراهيم ].
فقوله تعالى : ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ( ١٠٠ ) [ المؤمنون ] : أي : من أمامهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي