تمهيد :
تصف الآيات مشاهد القيامة حيث ينفخ في الصور، وتعود الأرواح إلى الأجسام، ويتم البعث والحشر والحساب، ولا تنفع الأحساب في ذلك اليوم، وإنما تنفع الأعمال، فالسعداء في الجنة والأشقياء في جهنم، ويتم سؤال هؤلاء الأشقياء توبيخا لهم، فيقال لهم : ألم أرسل إليكم الرسل ؟ ألم أنزل على الرسل كتبي وهداياتي ؟
فيعترفون بذلك، ويعترفون بشقوتهم وضلالهم في الدنيا، ويطلبون مهلة ليرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى فيتداركوا ما فاتهم، فيجيبهم ربهم : امكثوا في النار صاغرين أذلاء، ولا تعودوا إلى سؤالكم هذا، إنكم كنتم تستهزئون بعبادي المؤمنين، وكنتم منهم تضحكون، إنهم اليوم هم الفائزون جزاء صبرهم على أذاكم واستهزائكم بهم.
١٠٨ - قَالَ اخْسَأُُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ.
اخسأوا : اسكتوا سكوت ذلة وهوان.
أي : قال الله تعالى لهم جوابا على طلبهم الرجعة إلى الدنيا : انزجروا وامكثوا في النار في ذل وهوان، ولا تكلموني في شأن الرجوع إلى الدنيا.
وقد جاء في الأثر : إذا قال الكفار : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. يسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم : اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ. فوالله، ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق، وقال ابن مسعود : إذا قال الله لهم : اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ؛ أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحدxxxii.
تفسير القرآن الكريم
شحاته