ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

قوله :«فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً » قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص١ بكسر السين. والباقون : بضمها في المَوْضعين ٢.
و ( سِخْريًّا ) مفعول ثان للاتخاذ٣. واختلف في معناها فقال الخليل٤ وسيبويه٥ والكسائي٦ وأبو زيد٧ : هما بمعنى واحد٨ نحو دُريّ٩ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس : إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر١٠ ورَجّح أبو عليّ١١ وتَبعه مكي١٢ قراءة الكسر، قالا١٣ : لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله : وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام١٤ وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى :

إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ مِنْ علْو١٥ لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ١٦
ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف١٧، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم١٨ وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً١٩، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل٢٠ في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري٢١.

فصل


اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل٢٢ : إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى : اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ » بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ٢٣ ونظيره : إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ ٢٤ [ المطففين : ٢٩ ]
١ وهو قوله تعالى: أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار [ص: ٦٣]..
٢ السبعة (٤٤٨)، الحجة لابن خالويه (٢٥٨)، الكشف ٢/١٣١، النشر ٢/٣٢٩ الإتحاف (٣٢١)..
٣ انظر التبيان ٢/٩٦١..
٤ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٤، إعراب القرآن للنحاس ٣/١٢٤ حجة أبي زرعة (٤٩٢)، البحر المحيط ٦/٤٢٣..
٥ المراجع السابقة..
٦ قال الفراء: (قال الكسائي: سمعت العرب تقول: بحر لجي ولجي، ودري ودري منسوب إلى الدر، والكرسي والكرسي، وهو كثير. وهو في مذهبه بمنزلة قولهم العصي والعصي، والأسوة والإسوة) معاني القرآن ٢/٢٤٣، وقال النحاس: (قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد كما يقال: عصي وعصي) إعراب القرآن ٣/١٢٤..
٧ لم أجده في النوادر، وهو في البحر المحيط ٦/٤٢٣..
٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١١٤، البيان ٢/١٨٩، التبيان ١/٩٦١١، البحر المحيط ٦/٤٢٣..
٩ في ب: ودري..
١٠ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٤٠٧، البحر المحيط ٦/٤٢٣..
١١ المرجعان السابقان..
١٢ قال مكي: (والكسر الاختيار: لصحة معناه، ولشبهه بما بعده، ولأن الأكثر عليه) الكشف ٢/١٣١..
١٣ في ب: قال..
١٤ السخرة: ما تسخرت من دابة أو خادم بلا أجر ولا ثمن، ويقال: سخرته بمعنى سخرته، أي: قهرته وذللته. اللسان (سخر)..
١٥ في ب: علوي..
١٦ البيت من بحر البسيط، قاله أعشى باهلة، وهو مطلع قصيدته التي رثى بها أخاه المنشر بن وهب الباهلي وروي:
إني أتتني لسان لا أسر بها من علو لا عجب منها ولا سخر
وهو في النوادر (٧٣) ابن يعيش ٤/٩٠، اللسان (سخر، علا، لسن) الخزانة ١/١٩١، ٦/٥١١. من علو: أي أتاني خبر من أعلى.
واستشهد به على أن السخر والسخر، بمعنى الهزء، والبيت يروى بضم السين وسكون الخاء، ويروى بفتحها..

١٧ وهو قوله تعالى: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [الزخرف: ٣٢]. السبعة (٤٤٨)، الحجة لابن خالويه (٢٥٩)، الكشف ٢/١٣١، النشر ٢/٣٢٩، الإتحاف ٣٢١..
١٨ لعله عبد الله بن مسلم بن جندب الهلالي المدني، أخذ عن أبيه، وعنه ابن أبي فديك، قال أبو زرعة: لا بأس به. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (٢١٤)..
١٩ المختصر (١٣٥)، البحر المحيط ٦/٤٢٣..
٢٠ قيل: سقط من الأصل..
٢١ قال الزمخشري: (السخري بالضم والكسر مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوة في الفعل كما قيل الخصوصية في الخصوص) الكشاف ٣/٥٧..
٢٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٦..
٢٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٦..
٢٤ [المطففين: ٢٩]..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية