تكلمنا عن هذه المسألة في قوله تعالى: إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩ - ٣٦].
إذن: اتخذ الكفار ضعاف المؤمنين محلَّ سخرية واستهزاء، وبالغوا في ذلك، حتى لم يَعُدْ لهم شُغل غير هذا، وحتى شغلهم الاستهزاء والسخرية عن التفكّر والتأمل فلم يَبْقَ عندهم طاقة فكرية
تفكر فيما آمن به هؤلاء، وهذا معنى: حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي.. [المؤمنون: ١١٠] أي: شغلكم الاستهزاء بالمؤمنين عن الإيمان بمَنْ خلقكم وخلقهم.
ويا ليت الأمر توقّف عند هذا الحد من السخرية، إنما تعداه إلى أن يضحكوا من أهل الإيمان، ويُضِحكوا أهلهم وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون: ١١٠] وفي الآية الأخرى: وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] وسخرية أهل الباطل من أهل الحق موجودة في كل زمان، وحتى الآن نرى مَنْ يسخرون من أهل الاستقامة والدين والورع ويتندَّرون بهم.
ثم يقول الحق سبحانه: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا أَنَّهُمْ...
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي