ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

قوله : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى في «تَتْرَى » وجهان :
أظهرهما : أنه منصوب على الحال من «رُسُلنَا »، يعني : متواترين أي : واحداً بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته : أنه مصدر واقع موقع الحال١.
والثاني : أنه نعت مصدر محذوف، تقديره : إرسالاً تَتْرَى، أي : متتابعاً أو إرسالاً إثر إرسال٢ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي «تَتْرًى » بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة «تَتْرَى » بألف صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل غَضْبَى وسَكْرَى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف٣، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نَوّن فله وجهان :
أحدهما : أنَّ وزن الكلمة فَعْلٌ كفَلْس فقوله :«تَتْرًى » كقولك : نصرته نَصْراً ؛ ووزنه في قراءتهم «فَعْلاً »٤. وقد رُدَّ هذا الوجه، بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال : هذا تَتْرٌ، ورأيتُ تَتْراً، ومررت بتترٍ، نحو : هذا نصرٌ، ورأيت نصراً، ومررت بنصرٍ، فلمّا لم يحفظ ذلك بَطَلَ أن يكون وزنه ( فَعْلاً ) ٥.
الثاني : أنّ ألفه للإلحاق بِجَعْفَر، كهي في أَرْطَى٦ وَعَلْقَى٧، فلما نُوّن ذهبت لالتقاء الساكنين٨ وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ألف٩ الإلحاق في المصادر، وهو نادر١٠ ( ومن لم يُنوّن، فله فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف.
والثاني : أنها للإلحاق كأَرْطَى وعَلْقَى )١١.
الثالث : أنها للتأنيث كدَعْوَى، وهي واضحة١٢.
فتحصّل في ألفه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها بدل من التنوين في الوقف.
الثاني : أنها للإلحاق.
الثالث : أنها للتأنيث١٣.
واختلفوا فيها هل هي مصدر كَدَعْوَى و «ذِكْرَى »١٤، أو اسم جمع ك «أَسْرَى »١٥ و «شَتَّى »١٦ ؟ كذا قاله أبو حيان١٧. وفيه نظر : إذ المشهور أن «أَسْرَى » و «شَتَّى » جمعا تكسير١٨ لا اسما جمع١٩. وتاؤها في الأصل واو٢٠ لأنها من المواترة٢١، والوتر٢٢، فقلبت تاء كما قلبت تاء في «تَوْرِيَة »٢٣، وتَوْلَج٢٤، وتَيْقُور٢٥، وتخمة٢٦ وتراث٢٧، وتجاه٢٨ فإنه من الوَرْي والولُوج، والوَقَار، والوَخَامَة، والورَاثة، والوَجه٢٩. واختلفوا في مدلولها، فعن الأصمعي : واحداً بعد واحد وبينهما هُنَيْهَة٣٠ وقال غيره : هو من المُوَاتَرَة، وهي التتابع بغير مُهْلَة ٣١.
وقال الراغب : والتوَاتُر تَتَابُع الشيء وِتْراً وفُرَادَى، قال تعالى : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ٣٢. والوَتِيرة : السَّجية والطريقة، يقال : هم على وَتِيرةٍ واحدةٍ٣٣. والتِّرَةُ : الذَّحْلَ٣٤ والوَتِيرة٣٥ : الحاجز بن المنخرين٣٦.
قوله : كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ أي : أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدّم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، ولذلك قال : فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً بالإهلاك ٣٧.
قوله : وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ قيل : هو جمع حديث، ولكنه شاذ٣٨. والمعنى : سَمَراً وقصصاً يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر إلا الحديث الذي يعتبر به٣٩.
وقيل : بل هو جمع أُحْدُوثة، كأُضْحُوكة وأُعْجُوبَة، وهو ما يحدث به الناس تَلهياً وتَعَجُّباً ٤٠.
وقال الأخفش : لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير٤١ وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة ( أفَاعيل ) كأباطيل وأقاطيع٤٢. وقال الزمخشري : الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٤٣.
وقال أبو حيان : و ( أفاعيل ) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة٤٤ فيما شذ من الجموع كقَطِيع وأقَاطِيع، وإذا كان عَبَادِيد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد٤٥، فأحرى٤٦ أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا٤٧. ثم قال تعالى : فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك وعيد شديد٤٨.

١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١١٠، البيان ٢/١٨٥، التبيان ٢/٩٥٥، البحر المحيط ٦/٣٠٨..
٢ انظر التبيان ٢/٩٥٥..
٣ السبعة (٤٤٦). الحجة لابن خالويه (٢٥٧) الكشف ١/١٧٨ – ١٧٩، ٢/١٢٨، ١٢٩ النشر ٢/٣٢٨، الإتحاف ٣١٩..
٤ انظر الكشف ٢/١٢٨، مشكل إعراب القرآن ٢/١١٠..
٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٩٤..
٦ الأرطى: بفتح فسكون- شجر ينبت في الرمل، واحدته أرطاة. اللسان (أرط)..
٧ العلقى: شجر تدوم خضرته في القيظ، ولها أفنان طوال دقاق، وورق لطاف، واختلف في ألفها، فبعضهم يجعلها للتأنيث فلا ينونها، وبعضهم يجعلها للإلحاق بجعفر، وينونها. اللسان (علق)..
٨ انظر الكشف ٢/١٢٨، مشكل إعراب القرآن ٢/١١٠، البيان ٢/١٨٥..
٩ في الأصل: الألف..
١٠ قال ابن الأنباري: (فمن قرأ بالتنوين جعل ألفها للإلحاق بجعفر وشرحب، وألف للإلحاق قليلة في المصادر، ولهذا جعلها بعضهم بدلا من التنوين) البيان ٢/١٨٥..
١١ ما بين القوسين تكملة من الدر المصون..
١٢ لأن المصادر كثيرا ما يلحقها ألف التأنيث كالدعوى من دعا، والذكرى من ذكر، فلم ينصرف (تترى) للتأنيث وللزومه. الكشف ٢/١٢٩، مشكل إعراب القرآن ٢/١١٠، البيان ٢/١٨٥..
١٣ انظر التبيان ٢/٩٥٥..
١٤ من قوله تعالى: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [الأنعام: ٦٨]..
١٥ من قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [الأنفال: ٦٧]..
١٦ من قوله تعالى: وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى [طه: ٥٣]..
١٧ قال أبو حيان: (وقيل "تترى" اسم جمع كـ "أسرى" و "شتى") البحر المحيط ٦/٣٩٤..
١٨ في ب: تكسيرا. وهو تحريف..
١٩ تقدم..
٢٠ في الأصل: أو. وهو تحريف..
٢١ في ب: المتواترة..
٢٢ انظر الكشف ٢/١٢٩، مشكل إعراب القرآن ٢/١١٠، البيان ٢/١٨٥، التبيان ٢/٩٥٥، القرطبي ١٢/١٢٥..
٢٣ هي أصل: توراة، فهي مصدر (ورى) – بالتضعيف - قلبت حركة الياء إلى ما قبلها ثم قلبت الياء ألفا على لغة طيئ الذين يقولون: باداة وجاراة، في بادية وجارية فصارت توراة. وتوراة: أصلها ووراة على وزن فوعلة من ورى الزند يري، فأبدل الواو الأولى تاء، لأنه لم تبدل الواو الأولى تاء لأبدلت همزة هروبا من اجتماع واوين في أول الكلمة..
٢٤ التولج: كناس الظبي أو الوحش الذي يلج فيه، وأصله: وولج، أبدلت الواو الأولى تاء. اللسان (ولج)..
٢٥ التيقور: الوقار، فيعول، وأصله: ويقور، قلبت الواو تاء، قال العجاج:
فإن يكن أمسى البلى تيقوري ***...
اللسان (وقر)..

٢٦ التخمة: الثقل الذي يصيبك من الطعام. وأصلها: وخمة، قلبت الواو تاء. اللسان (وخم)..
٢٧ التراث: المال الموروث، أصله: وراث، قلبت الواو تاء. اللسان (ورث)..
٢٨ تقول: قعد فلان تجاه فلان، أي: تلقاءه، وأصله: وجاه قلبت الواو تاء، اللسان (وجه)..
٢٩ انظر سر صناعة الإعراب ١/١٤٥ – ١٤٨، الممتع ١/٣٨٣ – ٣٨٧، شرح الشافية ٣/٨٠ – ٨٣، ٢١٩ – ٢٢٠..
٣٠ اللسان (وتر)، البحر المحيط ٦/٣٩٣..
٣١ المرجعان السابقان..
٣٢ المفردات في غريب القرآن (٥١١)..
٣٣ اللسان (وتر)..
٣٤ الذحل: الثأر، وقيل: طلب مكافأة بجناية جنيت عليك، أو عداوة أتيت إليك، وقيل: هو العداوة والحقد، وجمعة أذحال وذحول، وهو الترة، يقال طلب بذحله، أي: بثأره. اللسان (ذحل، وتر)..
٣٥ في الأصل: والوتير..
٣٦ المنخران: ثقبا الأنف. اللسان (نخر، وتر)..
٣٧ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠١..
٣٨ انظر شرح الأشموني ٤/١٢٩، ١٣٨..
٣٩ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠١، البحر المحيط ٦/٣٠٧..
٤٠ انظر الكشاف ٣/٤٨..
٤١ لم أجده في معاني القرآن للأخفش. وهو في البحر المحيط ٦/٤٠٧..
٤٢ انظر شرح الشافية ٢/٢٠٤ – ٢٠٦..
٤٣ الكشاف ٣/٤٨..
٤٤ في الأصل: البخاري. وهو تحريف..
٤٥ فـ (عباديد) جمع ليس له واحد من لفظه، وقد قدروا له واحدا وإن لم يستعمل وهو عبدود، شرح الكافية ٢/١٧٨..
٤٦ في ب: وأجرى. وهو تحريف..
٤٧ البحر المحيط ٦/٤٠٧، وقال الرضي: (وكذا أحاديث النبي – صلى الله تعالى عليه وسلم – في جمع الحديث، فليس جمع الأحدوثة المستعملة، لأنها الشيء الطفيف الرذل، حوشي صلى الله عليه وسلم عن مثله). شرح الكافية ٢/١٧٩..
٤٨ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية