أما القوم فكانوا أغبياء إذ صدقوا رؤساءهم وزعماءهم الذين كفروا بربهم وكذبوا بالبعث ولقاء الله، وانغمسوا في نعم الحياة المادية التي أنعم الله بها عليهم، وصدوهم عن الإيمان، معتمدين على شبهتين:
الأولى- بشرية الرسل وعدم تميزهم عن سائر البشر بميزة تقتضي اتباعهم.
الثانية- إنكار البعث والحشر والنشر والحساب والجزاء.
ورتبوا على ذلك إنكار نبوة هود عليه السلام، وبالغوا في إنكار البعث، وأعلنوا كبقية الماديين الملحدين أن الحياة في الدنيا هي الحياة الوحيدة، أو لا حياة إلا هذه الحياة، وأن البشر سلسلة يموت بعضهم، ويحيا بعضهم، وأن رسولهم هود رجل مفتر كذاب فيما يدعيه من الرسالة وما يزعمه من البعث والجزاء.
وكانت النتيجة الحتمية المطابقة للعدل هي هلاك القوم وتدميرهم بصيحة جبريل عليه السلام مع الريح الصرصر العاتية، صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها، فماتوا عن آخرهم، وجعلوا هلكى هامدين كغثاء السيل: وهو ما يحمله من بالي الشجر من الأعشاب والقصب مما يبس وتفتّت، فبعدا أي هلاكا لهم، وبعدا لهم عن رحمة الله، بظلمهم وكفرهم وعنادهم وطغيانهم.
القصة الثالثة- قصص صالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم السلام
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
الإعراب:
وَما يَسْتَأْخِرُونَ لم يقل: تستأخر، مثل: تسبق، وإنما ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى.
تَتْرا في موضع نصب على الحال من (الرسل) أي أرسلنا رسلنا متواترين.
وتَتْرا أصلها وترى من المواترة، فأبدل من الواو تاء، كتراث وتهمة وتخمة، ويقرأ بتنوين وغير تنوين، فمن قرأ بالتنوين جعل ألفها للإلحاق بجعفر، وألف الإلحاق قليلة في المصادر، فجعلها بعضهم بدلا عن التنوين. ومن لم ينون، جعل ألفها للتأنيث كالدّعوى والعدوى، وهو ممنوع من الصرف للتأنيث ولزومه.
المفردات اللغوية:
قُرُوناً قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها بأن تموت قبله.
وَما يَسْتَأْخِرُونَ عنه.
تَتْرا متواترين، واحدا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة، أي جعلناهم متتابعين، بين كل اثنين زمان طويل. أَرْسَلْنا رَسُولُها هذا مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ [المائدة ٥/ ٣٢] وقوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [الأعراف ٧/ ١٠١] فمرة يضيف الرسل إليه تعالى، ومرة إلى أممهم لأن الإضافة تكون بالملابسة، والرسول ملابس المرسل، والمرسل إليهم جميعا، وأضاف الرسول عند الإرسال إلى المرسل في قوله: أَرْسَلْنا وعند المجيء إلى المرسل إليهم في قوله: رَسُولُها لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه تعالى، والمجيء الذي هو منتهاه إلى القوم.
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الإهلاك. وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لم يبق منهم إلا حكايات يسمر بها، أي جعلناهم أخبارا يسمر بها ويتعجب منها. والأحاديث: اسم جمع للحديث في رأي الزمخشري، أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهيا وتعجبا، كالأضحوكة والألعوبة والأعجوبة، وهو المراد هنا. والجمهور على أن الأحاديث في غير هذا الموضع جمع حديث، ومنه أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقد جمعت العرب ألفاظا على أفاعيل كأباطيل وأقاطيع.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، وهي مجموع قصص ذات هدف واحد، والله تعالى يقص القصص في القرآن تارة مفصلة، كالقصتين السابقتين،
وأخرى مجملة كما هنا، والمراد بهذه القصص قصة لوط وصالح وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.
التفسير والبيان:
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ أي ثم أوجدنا من بعد هلاك قوم عاد أمما وخلائق وأقواما آخرين، كقوم صالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف وغيرهم عليهم السلام، ليقوموا مقام من تقدمهم في عمارة الدنيا.
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها، وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي ما تتقدم أمة مهلكة من تلك الأمم وقتها المقدّر لهلاكها أبدا، أو المؤقت لعذابها إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه. والمعنى أن وقت الهلاك محدد لا يتقدم ولا يتأخر، فلا تتعجلوا العذاب، فكل شيء عنده تعالى بمقدار، وهذا مرتبط بأجل الإنسان، كما قال تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل ١٦/ ٦١].
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا أي ثم بعثنا رسلا آخرين في كل أمة، يتبع بعضهم بعضا، كقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل ١٦/ ٣٦].
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ أي كلما جاء الرسول أمة بتكليفهم بالشرائع والأحكام كذبه جمهورهم وأكثرهم، سالكين في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، كقوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس ٣٦/ ٣٠].
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي بالهلاك، والمعنى: أتبعنا بعضهم بالهلاك إثر
بعض، حين كذبوا رسلهم، كقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء ١٧/ ١٧].
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي وجعلناهم أخبارا وأحاديث للناس، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، يتحدثون بها تلهيا وتعجبا، كقوله تعالى:
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ ٣٤/ ١٩].
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي هلاكا وتدميرا وبعدا عن رحمة الله لقوم لا يصدقون به ولا برسوله. وهذا وارد على سبيل الدعاء، والذم، والتوبيخ، والوعيد الشديد لكل كافر. وهو دليل على أنهم كما أهلكوا عاجلا، فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات واضحة الدلالة على المقصود منها، وهي أن أجل الهلاك والعذاب محدد بميقات معين، لا يتقدم عنه ولا يتأخر. وأن رحمة الله وحكمته وعدله اقتضت إرسال الرسل في كل الأمم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء ٤/ ١٦٥].
ولكن أكثر الناس وجمهورهم يكذبون الرسل ويخالفونهم فيما جاؤوا به، فتكون النتيجة إهلاك بعضهم إثر بعض، وجعلهم أحدوثة (وهي ما يتحدث به) يقص الناس أخبارهم في مجالس السمر، لأنها مدعاة للتعجب.
ثم ختمت الآيات بالإنذار والوعيد الشديد بالهلاك والدمار لكل قوم لا يصدقون بوجود الله وتوحيده وإرسال رسله، فإن الكافرين كما أهلكوا في الدنيا، يكون هلاكهم بالتعذيب في الآخرة أمرا منتظرا مؤكدا حصوله.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي