ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

وبعد أن ذكر كتاب الله بقصة نوح وهود من أوائل الرسل، في قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا على قومه [ الآية : ٢٣ ] وقوله : ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم [ الآيتان : ٣١، ٣٢ ]، وأتبعهما بقصة موسى وعيسى من أواخرهم، قبل إرسال خاتم النبيين والمرسلين، فقال : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون، وجعلنا ابن مريم وأمه آية أكد كتاب الله بشكل قاطع وصريح وحده الرسالة الإلهية، ووحدة الرسل الذين جاؤوا بها، تبعا لوحدة مصدرها وهو الله الواحد الأحد، الذي أوحى بها إليهم جميعا، فقال تعالى : وأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون }.
وضمن كتاب الله في هذا الربع حقيقتين من الحقائق الجوهرية والأساسية في سير الحضارات والعمران، وفي انتظام العوالم والأكوان :
الحقيقة الأولى أن الجماعات الإنسانية لها آجال وأعمار، وبداية ونهاية، بالنسبة لبقائها وفنائها، ورقيها وانحطاطها، تبعا لتمسكها بالنواميس الخلقية والعمرانية التي جاءت بها الهداية الإلية، أو تمردها عليها وخروجها عن جادتها المثلى، وأقرب مثال لهذه الحقيقة ورد في سياق إبادة قوم نوح بالطوفان، وهلاك قوم هود بالصيحة، وهلاك فرعون وملائه بالغرق، جزاء شركهم بالله وكفرهم برسله، وإلى هذه الحقيقة الأولى يشير قوله تعالى في سورة الأعراف : ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة، ولا يستقدمون [ الآية : ٢٤ ].
والحقيقة الثانية أن الحق في جميع الأشياء واحد لا يتعدد، وأن الحق في جميع الظروف ثابت لا يتغير، وعلى هذا الأساس قامت النواميس الطبيعية التي تنظم الأكوان، والنواميس الخلقية والعمرانية التي تنظم حياة الإنسان سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا [ الفتح : ٢٣ ]، فبالحق المنبثق عن إرادة الله قامت السماوات والأرض، لا بالهوى الذي تمليه الشهوات والأغراض فذلكم الله ربكم الحق [ يونس : ٣٢ ].

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير