ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ثم يقول الحق سبحانه :
أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ( ٦٨ ) :
في هذه الآية والآيات بعدها يريد- سبحانه وتعالى- أن يوبخهم بعدة أمور واحد بعد الآخر.
أولها : أفلم يدبروا القول.. ( ٦٨ ) [ المؤمنون ] : فالاستفهام هنا للتوبيخ وللتقريع : ماذا جرى لهؤلاء ؟ أفلم يعقلوا القول الذي جاءهم في القرآن، وهم أمة الفصاحة والبلاغة والبيان، وأمة القول بكل فنونه حتى أقاموا له المواسم والمعارض وعلقوه على الجدار ؟
لذلك لا يعقل ألا تفهموا القرآن، وقد جاءكم بأسلوب على مستوى أعلى من البلاغة والفصاحة، لا بد أنكم فهمتموه ووعيتم ما فيه، بدليل قولكم : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( ٣١ ) [ الزخرف ].
وهكذا الكذاب يسرقه طبعه، وينمّ منطقه عما في ضميره، فاعتراضكم ليس على القرآن إنما على محمد، لأنه فقير من أوسط القوم، فالمسألة- إذن- منازعة سيادة وسلطة زمنية، لكن ألم يدر هؤلاء أن محمدا ( ص ) ما جاء ليسلبهم سلطتهم، أو يعلو هو عليهم، إنما جاء ليحكمهم بمنهج الله، ويتحمل هو الأذى والتعب والمشقة في سبيل راحتهم وسعادتهم ؟
لقد جاء النبي ( ص ) ليأخذ الحكم ويحمل منهج الله تكليفا لا تشريفا، بدليل أنه عاش في مستوى أقل منكم، فلا ترى رسول الله إلا أقلهم طعاما وأقلهم شرابا، أقلهم لباسا وأثاثا، حتى أقاربه كانوا فقراء، ومع ذلك حرم عليهم الزكاة التي أباحها لعامة المسلمين الفقراء، كذلك يرث الناس وهم لا يرثون.
وبعد ذلك كله تقولون : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( ٣١ ) [ الزخرف ] : يبدو أنكم ألفتم العبودية للعظماء وللجبابرة، ألفتم العبودية لغير الله، وعز عليكم أن يحرركم الله من هذه العبودية على يد رجل منكسر فقير منكم، جاء ليصلحكم، ويخرجكم من العبودية للمخلوق إلى العبودية للخالق عز وجل.
ألم يقل أحد رؤوس الكفر عن القرآن : " والله إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه " ١.
إذن : أفلم يدبروا القول.. ( ٦٨ ) [ المؤمنون ] : توبيخ، لأنهم فهموا القرآن، لكن حسدوا محمدا ( ص ) أن ينزل عليه، وأن ينال دونهم هذه المكانة، كما قال سبحانه : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.. ( ٥٤ ) [ النساء ].
الأمر الثاني : أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ( ٦٨ ) [ المؤمنون ] : يعني : جاءهم أمر غريب لا عهد لهم به، وهو أن يأتي رسول من عند الله، وهذه المسألة معروفة لهم، فمنهم إبراهيم عليه السلام، ومنهم إسماعيل وهم مؤمنون بهما، إذن : ليست مسألة عجيبة، بل يعرفونها جيدا، لكن ما منعهم في الأولى منعهم في هذه، إنه الحسد لرسول الله ( ص )، لذلك يقول تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. ( ٨٧ ) [ الزخرف ].

١ - هذا القول قاله الوليد بن المغيرة، نقله ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٧٠) وذلك أن أشراف قريش اجتمعوا ليروا رأيا واحدا في أمر محمد (ص)، رفض الوليد كل ما قاله القوم عن محمد إلى أن قال قولته هذه ثم قال: "ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير