ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

ولو اتبع الحقُّ أهواءهم بأن كان في الواقع آلهة شتى ؛ لفسدتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهن كما تقدم في قوله : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الأنبياء : ٢٢ ]، فالاتباع هنا مجاز، أي : لو جاء الوحي على ما يشتهون لفسدت السماوات، فالحق هنا هو المذكور في قوله : بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ، والمعنى : لو كان ما كرهوه من الحق، الذي من جملته ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، موافقاً لأهوائهم الباطلة ؛ لفسد نظام العالم، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبَّر بمن ؛ لأنَّ غيرهم تبع.
بل أتيناهم بذكْرهم : بشرفهم، وهو القرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم، كما قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : ٤٤ ] ؛ لأن الرسول منهم، والقرآن لغتهم، أو بتذكيرهم ووعظهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه، ويقولون : لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ [ الصافات : ١٦٨ ]، فهم عن ذِكْرِهم معرضون أي : فهم، بما فعلوا من النكوص، عن فخرهم وشرفهم معرضون، وهذا مما جُبِلَتْ عليه النفوس الأَمّارة ؛ الإعراض عما فيه خيرها، والرغبة فيما فيه هلاكها، إلا من عصم الله، وفي إسناد الإتيان إلى نون العظمة، بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، ومن التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. انظر أبا السعود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل من أنكر على أهل الخصوصية، ولم يعرف خصوصيتهم ؛ فسببه ثلاثة أمور : إما أنه لم يصحبهم ولم يتدبر ما يقولون، ولا ما يأمرون به وينهون عنه، وإنما يرميهم رجماً بالغيب، وإما أنه حسدهم وخاف على جاهه أن يتنقل لغيره، وإما أنهم أتوا بخرق عوائد النفوس التي لم تكن لآبائهم الأولين، فقالوا : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمِ مُّقْتَدُونَ ، وإنما جاءهم بالحق، وأكثرهم للحق كارهون، وكيف تُخرق للعبد العوائد، وهو لم يخرق من نفسه العوائد ؟.
وَلَوِ اْتَّبَعَ اْلحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ، بأن كانت التربية على طريق العوائد، والاستمرار معها لفسد النظام، ولبقي الكون كله ظلمة لجميع الأنام ؛ إذ لا يمكن أن يصير الكون نوراً، بظهور الحق فيه، إلا بخرق عوائد النفوس، وإخراجها عن هواها، فحينئذٍ تخرق له ظلمة الكَون، فيفضي إلى شهود المكَوّن، بل أتيناهم بذكرهم أي : بشرفهم، بمعرفة الحق على نعت العيان، وهم عن ذكرهم معرضون ؛ حيث انهمكوا في عوائدهم، ولم يقبلوا من يخرجهم عنها ويعرفهم بالله لله، من غير خراج ولا طمع.
قال تعالى لنبيه -عليه الصلاة والسلام- : أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ . قال القشيري : أي : إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرة، ولا بإعطاءِ عِوَض، حتى تكون في موضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة، أم لعلك تريد أن يَعْقدُوا لك الرئاسة، ثم قال : والذي لَكَ من الله -سبحانه- من جزيل الثواب، وحسن المآب، يُغْنيك عن التصدي لنيلِ ما يكون في حصوله منهم مطمع. هذه كانت سُنَّة الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- ؛ عملوا لله فلم يطلبوا عليه أجراً من غير الله، والعلماء ورثة الأنبياء في التنزه من التَّدَنُّس بالأطماع، والأكل بالدين، فإنه ربا مُضِرٌّ بالإيمان، إن كان العملُ لله فالأجر مُنتظرٌ من الله، وهو موعودٌ مِن قبل الله. هـ. وراجع ما تقدم في سورة هود ؛ فإنه أوفى من هذا١.
وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، هو طريق الوصول إلى شهود الذات الأقدس، من طريق التربية، التي هي مخالفة الهوى والخروج عن العوائد. وقال القشيري : الصراطُ المستقيمُ : هو شهودُ الحقِّ بنعت الإنفراد في جميع الأشياء، والإيجاف، والاستسلام لقضايا الإلزام، بمواطأة القلب من غير استكراه الحُكمْ. هـ. وقال الورتجبي عن بعضهم : لولا أن الله - تعالى - أمر بمخالفة النفوس ومباينتها، لاتَّبع الخلق أهواءهم في شهوات النفوس، ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله، وأعرضوا عن طاعته، ولزموا المخالفة، ألا ترى الله يقول : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن .
ثم بيَّن سبحانه أن حبيبه - عليه الصلاة والسلام - يدعوهم إلى تلك المشاهدة بقوله : وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ( ٧٣ ) أي : مما أوضحه أنوار جماله وشاهَدْتَه، وهي طريق معرفته في قلوب الصِّدّيقين للأرواح القدسية. وتلك الطريقة منتهاها المحبة، وبدايتها الأسوة والمتابعة ؛ لقوله : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : ٣١ ]. هـ. قلت : المراد بالمحبة محبة الحق لعبده ؛ بدليل الآية التي ذكر. وقال ابن عطاء : إنك لتحملهم على مسالك الوصول، وليس كل أحد يصلح لذلك السلوك، ولا يوفق له إلا أهل الاستقامة، وهم الذين استقاموا مع الله ولم يطلبوا معه سواه، ولم يروا لأنفسهم درجة ولا مقاماً. هـ.
قوله تعالى : وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي : لا يؤمنون بالحياة الآخرة، وهي حياة النفوس بالمعرفة العيانية، بعد موتها بالجهل والوقوف مع الحس والعوائد، ممن لا يصدق بهذه الحياة، وأنكر وجود من يوصل إليها عن طريق الحق الموصلة إليه، لناكبون، فهم في الحيرة والتلف تائهون، عائذاً بالله من ذلك.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير