ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ( ٧١ ) :
إذن : فالمسائل لا تسير على هوى المخلوق، إنما على مرادات الخالق، لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون، وكل صانع يغار على صنعته، وهذا مشاهد حتى في صنعة البشر، ولك أن تتصور ماذا يحدث لو أفسدت على صانع ما صنعه.
وعدالة الأشياء أن تسير على وفق مرادات الصانع، لا هوى المصنوع، لأن الأهواء تملكها الأغيار، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وفق هواه لأخذ ما ليس له، ولقبل الرشوة، ومال إلى الفسق والانحراف، لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر إلى العاقبة والمحصلة النهائية، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوتة، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد.
لذلك يقول الحق سبحانه : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. ( ٧١ ) [ المؤمنون ] : ولك أن تقول : نعم، اتباع الأهواء يفسد الأرض، ويفسد حركة الحياة فيها، لكن كيف يفسد السماء ؟ وهل لأحد قدرة عليها ؟.
ونقول : ألم يكن من أمنيات هؤلاء : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ( ٩٠ ) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ( ٩١ ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا.. ( ٩٢ ) [ الإسراء ].
إذن : من أهوائهم أن تتهدم السماء، ولو حتى على رؤوسهم، وأي فساد بعد هذا، وهكذا لو اتبعت أهواءهم لفسدت السموات والأرض، ليس هذا وفقط بل ومن فيهن.. ( ٧١ ) [ المؤمنون ] : حيث سيتعدى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود.
لذلك يقيد النبي ( ص ) هذه الأهواء في قوله : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ١ لأنه ( ص ) : وما ينطق عن الهوى ( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى ( ٤ ) [ النجم ].
وقد توقف بعض المستشرقين معترضا على هذه الآية : وما ينطق عن الهوى ( ٣ ) [ النجم ] : يقولون : يعني كلامه كله صحيح، فلماذا يعدّل له ربه بعض الأحكام ؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدل حين نطق به كان ينطق عن هوى.
ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض، فالهوى أن تعرف الحق، لكن هواك يصرفك عنه، ورسول الله ( ص ) لم يكن يعرف في هذه المسائل حكما وانصرف عنه، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء، ثم نزل الحكم من الله ليعدّل اجتهاد رسوله.
إذن : لم يكن لرسول الله هوى ينطق بمقتضاه، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صدقه ( ص ) وأمانته في البلاغ عن ربه، وإلا فلم يكن أحد ليعلم هذا التعديل، لو أخفاه رسول الله تعصبا لنفسه، أو لدفع الخطأ عنه.
ومن ذلك قوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك.. ( ١ ) [ التحريم ]، ويقول سبحانه : عفا الله عنك لم أذنت لهم.. ( ٤٣ ) [ التوبة ].
وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه وتعد مأخذا عليه، لكنه ( ص ) كان أمينا يقول ما له وما عليه، لذلك يقول عنه ربه : ولو تقول علينا بعض الأقاويل ( ٤٤ ) لأخذنا منه باليمين ( ٤٥ ) ثم لقطعنا منه الوتين٢ ( ٤٦ ) [ الحاقة ].
ثم يقول تعالى : بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ( ٧١ ) [ المؤمنون ] : و( بل ) تفيد الإضراب عن الكلام السابق، وإثبات كلام جديد بعدها، والذكر هنا يعني : الشرف والصيت والمكانة العالية، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن : وإنه لذكر لك ولقومك.. ( ٤٤ ) [ الزخرف ].
وقوله تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ( ١٠ ) [ الأنبياء ] : فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن، ويرفعوه فوق رؤوسهم، ففيه مجدهم وشرفهم وعزتهم، والعرب بدون القرآن لا ذكر لهم، فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل، ولا تستقر إلا على منابع الماء ومواضع الكلأ، كانوا بدوا تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات وقطع الطريق، كان الواحد منهم يسرق ليكرم ضيفه بما سرق.
وهذه من الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية، فلم يكن لديهم منهج يحكم حياتهم، عجيب أن ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرم في طبيعة واحدة، فهو يفعل ما يعنّ له، وما يخطر بباله، فالمسألة ليست محكومة عندهم بقانون، حتى قال فيهم الشاعر :
لا تمدحن ابن عباد٣ وإن هطلت**** كفاه بالجود حتى أشبه الديما٤
فإنها خطرات من وساوسه**** يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ومن أشهر قصائد الشعر العربي في الكرم هذه القصيدة التي تأصل فيها هذا الخلق حتى عند الأطفال، وحتى أن الأب يهم بذبح ولده للضيف، لأنه لم يجد ما يذبحه لقراه٥.
ويقول فيها الشاعر :
وطاو ثلاثا عاصب البطن مرمل**** ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما٦
أخي جفوة فيه من الأنس وحشة ****يرى البؤس فيها من شراسته نعمى
رأى شبحا وسط الظلام فراعه**** فلما رأى ضيفا تشمر واهتما٧
وقال هيا رباه ضيف ولا قرى ! ! ****بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
وأفرد في شعب عجوزا إزاءها**** ثلاثة أشباح تخالهموا بهما
حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة**** ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما٨
فقال ابنه لما رآه بحيرة أيا**** أبت اذبحني ويسر لهم طعما
ولا تعتذر بالعدم على الذي ****طرا يظن لنا مالا فيوسعنا ذما
فروّى قليلا ثم أحجم برهة ****وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما
فبينا هما عنّت على البعد عانة**** قد انتظمت من خلف مسحلها نظما٩
عطاشا تريد الماء فانساب نحوها ****على أنه منها إلى دمها أظما
فأمهلها حتى تروت عطاشها**** وأرسل فيها من كنانته سهما
فخرت نحوص ذات جحش قد**** اكتنزت لحما وقد طبقت شحما١٠
فيا بشره إذ جرها نحو قومه**** ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى١١
وبات أبوهم من بشاشته أبا**** لضيفهموا والأم من بشرها أما
لقد تأصلت خصلة الكرم في العربي، حتى في الأطفال الصغار، فهو وإن كان فقيرا لكن لا يحب أن يعرف عنه الفقر، يحب أن يظهر في صورة الغني الكريم المعطاء، وإن ناقض ذلك صفات أخرى ذميمة فيه.
والشاهد أنهم جماعة تناقضت خصالهم، وقد عاشوا في أمية تامة فلم يعالجوا حضارة، وهذه حسبت لهم بعد ظهور الإسلام وبعثة النبي ( ص ) من بينهم، فكيف لمثل هؤلاء أن يأتوا بهذه المعاني والأساليب العالية التي تحكم العالم كله ؟ ولو كانوا أهل علم وحضارة لقالوا عنهم وعن الإسلام : إنه قفزة حضارية.
ولو كان رسول الله ( ص ) قارئا لقالوا : قرأ لفلان وفلان، كما حكى عنهم الحق سبحانه وتعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر.. ( ١٠٣ ) [ النحل ].
إذن : فذكر العرب وشرفهم ومجدهم وكرامتهم في القرآن، ومع ذلك لم يعملوا حتى لمصلحتهم، ولم يهتموا بهذا القرآن، إنما أعرضوا عنه فهم عن ذكرهم معرضون ( ٧١ ) [ المؤمنون ] : أي : عن القرآن، وهذا دليل أنهم كانوا مغفلين، لا يعرفون حتى مصلحتهم.

١ - أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" (١/١٢) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" (ص ٤٦٠) وضعفه..
٢ - الوتين: عرق في القلب إذا قطع مات صاحبه، وهو الشريان الرئيسي الهام الذي يغذي الجسم بالدم النقي الخارج من القلب، والمعنى: أي أمتناه عاجلا وأهلكناه سريعا إذا خالف أمرنا أي مخالفة. [القاموس القويم ٢/٣١٩]..
٣ - هو: إسماعيل بن عباد أبو القاسم الطالقاني، وزير غلب عليه الأدب، استوزره مؤيد الدولة ثم أخوه فخر الدولة، ولقب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه، ولد في الطالقان (من أعمال قزوين) (عام ٣٢٦ ه) وإليها نسبته، توفي بالري (طهران) عام (٣٨٥ ه) ونقل إلى أصبهان فدفن فيها. [الأعلام للزركلي ١/٣١٦]..
٤ - الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق. وهو المطر الدائم. ويقال: دامت السماء تديم: مطرت ديمة. [لسان العرب- مادة: ديم]..
٥ - القرى: طعام الأضياف..
٦ - الطاوى: الجائع. مرمل: قد اختلط طعامه بالرمل. الرسم: الأثر..
٧ - راعه: أخافه وأفزعه..
٨ - خبز ملة: هو الخبز يوضع في الرماد الحار الذي يحمى ليدفن فيه الخبز لينضج..
٩ - عنت: ظهرت. عانة: العنون من الدواب: من حمر الوحش. المسحل: قائد القطيع..
١٠ - نحوص: سمينة ممتلئة. طبقت شحما: امتلأت شحما ولحما..
١١ - الكلم: الجرح. يدما: ينزف دما. [راجع لسان العرب]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير