بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ( ٦٣ ) حتى إذا أخذنا مترفهم بالعذاب إذا هم يجأرون ( ٦٤ ) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ( ٦٥ ) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون ( ٦٦ ) مستكبرين به سامرا تهجرون ( ٦٧ ) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آبائهم الأولين ( ٦٨ ) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ( ٦٩ ) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ( ٧٠ ) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ( ٧١ ) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ( ٧٢ ) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ( ٧٣ ) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ( ٧٤ ) * ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ( ٧٥ ) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون ( ٧٦ ) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون [ المؤمنون : ٦٣- ٧٧ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه سجاحة هذا الدين، وأنه دين يسر لا عسر، فلا يكلف النفس إلا ما تطيق، وأن ما يعمله المرء فهو محفوظ في كتاب لا يبخس منه شيئا ولا يزد له فيه شيء، أردف هذا بيان أن المشركين في غفلة عن هذا الذي بين في القرآن، ولهم أعمال سواء أخرى من فنون الكفر والمعاصي، كطعنهم في القرآن واستهزائهم بالنبي ( ص ) وإيذائهم للمؤمنين، فإذا حل بهم بأسنا يوم القيامة جأروا واستغاثوا، فقلنا لهم لا فائدة فيما تعملون، فقد جاءتكم الآيات والنذر فأعرضتم عنها واتخذتموها هزوا تسمرون بها في البيت الحرام، وقد كان من حقكم أن تتدبروا القرآن لتعلموا أنه الحق من ربكم، وأن مجيء الكتب إلى الرسل سنة قديمة، فكيف تنكرونها ؟ وهل رابكم في رسولكم شيء حتى تمتنعوا من تصديقه وتقولوا إن به جنة وأنتم تعلمون أنه أرجح الناس عقلا وأثقبهم رأيا. لا، إن الأمر على غير ما تظنون، إنه قد جاءكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون، لما دسيتم به أنفسكم من الزيغ والانصراف عن سبيل الحق، ولو أجابكم ربكم إلى ما في أنفسكم من الهوى وشرع الأمور وفق ذلك لفسدت السماوات والأرض لفساد أهوائكم واختلافها، وأنتم لو تأملتم لعلمتم أن ما جاءكم به هو فخركم فكيف تعرضون عنه ؟ وهل تظنون أنه يسألكم أجرا على هدايتكم وإرشادكم، فما عند الله خير مما عندكم وهو خير الرازقين. فها هو ذا تبين الرشد من الغي، واستبان أن ما تدعوهم إليه هو الحق الذي لا محيص منه، وأن الذين لا يؤمنون به عادلون عن طريق الحق، وقد بلغوا حدا من التمرد والعناد لا يرجى معه صلاح، فلو أنهم ردوا في الآخرة إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، لشدة لجاجهم وتدسيتهم لأنفسهم.
ولقد قتلنا سراتهم بالسيف يوم بدر، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم، ولا ردهم ذلك عما كانوا فيه، بل استمروا في غيهم وضلالهم كما قال فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا [ الأنعام : ٤٣ ].
فإذا جاءتهم الساعة بغتة، وأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، أيسوا من كل خير، وانقطع رجاؤهم من كل راحة وسعادة.
تفسير المفردات :
و الذكر : القرآن الذي هو فخرهم. عن ذكرهم : أي فخرهم.
الإيضاح :
ثم بين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال :
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن أي ولو سلك القرآن طريقهم، بأن جاء مؤيدا للشرك بالله، واتخاذ الولد – تعالى الله عن ذلك – وزين الآثام واجتراح السيئات، لاختل نظام العالم كما جاء في قوله : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : ٢٢ ] ولو أباح الظلم وترك العدل لوقع الناس في هرج ومرج، ولوقع أمر الجماعات في اضطراب وفساد، والمشاهد في الأمم التي يفشو فيها التخاذل والذلة والمسكنة يؤول أمرها إلى الزوال، ولو أباح العدوان واغتصاب الأموال وأن يكون الضعيف فريسة للقوي، لما استتب أمن ولا ساد نظام، وحال العرب قبل الإسلام شاهد صدق على ذلك.
ولو أباح الزنا لفسدت الأنساب وما عرف والد ولده، فلا تتكون الأسر، ولا يكون من يعول الأبناء، ولا يبحث لهم عن رزق، فيكونون شردا في الطرقات لا مأوى لهم، ولا عائل يقوم بشؤونهم، وأكبر برهان على هذا ما هو حادث في أوروبا الآن من وجود نسل بازدواج غير شرعي مما تئن منه الأمم والجماعات ؛ إلى نحو أولئك مما سبق ذكره من قبل وفصلناه تفصيلا.
وبعد أن أنبهم على كراهتهم للحق، شنع عليهم لإعراضهم عما فيه الخير لهم، وهو يخالف ما جلبت عليه النفوس من الرغبة في ذلك فقال :
بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أي بل جئناهم بالقرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم فأعرضوا عنه، ونكصوا على أعقابهم، وازدروا به وجعلوه هزوا وسخرية، وما كان لهم من الخير أن يفعلوا ذلك.
ونحو الآية قوله : وإنه لذكر لك ولقومك [ الزخرف : ٤٤ ].
تفسير المراغي
المراغي