وظلم، والثاني من عدا، أي: جاوز (١).
وهما يرجعان إلى أصل واحد؛ لأن الظالم مجاوز ما حُدَّ له.
٨ - قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ فيه قولان:
أحدهما: أنها (٢) أمانات الناس التي ائتمنوا عليها. وهو قول ابن عباس (٣).
والثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء والغسل من الجنابة والصيام وغير ذلك. وهو قول الكلبي (٤).
وأكثر المفسرين على القول الأول (٥). وقرأ ابن كثير (لأمانتهم) واحدة (٦)، ووجهه: أنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثرة، وإن كان مفردًا في اللفظ، كقوله تعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ (٧)
(٢) (أنها): ساقطة من (ع).
(٣) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب من غير نسبة لأحد.
(٤) ذكر الجشمي في "تهذيبه" ٦/ ١٩٣ هذا القول باختصار ولم ينسبه لأحد.
(٥) انظر: "الطبري" ١٨/ ٥، والثعلبي ٣/ ٥٨ ب، وابن كثير ٣/ ٢٣٩.
قال أبو حيان ٦/ ٣٩٧، والظاهر عموم الأمانات، فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قول وفعل واعتقاد، فيدخل في ذلك جميع الواجبات من الأفعال والتروك وما ائتمنه الإنسان قبل، ويحتمل الخصوص في أمانات الناس... قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨].
(٦) وقرأ الباقون (لأماناتهم) جماعة. "السبعة" ص ٤٤٤، "التبصرة" ص ٢٦٩، "التيسير" ص ١٥٨.
(٧) في (أ): (وكذلك)، وهو خطأ.
[الأنعام: ١٠٨] وجمع (١) في قوله: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ [المؤمنون: ٦٣]. والأمانة تختلف ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده كالصيام والصلاة والاغتسال، والأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع (٢)، ونحو ذلك بما تكون اليد فيه [يد] (٣) أمانة، واسم الجنس يقع عليها كلها (٤).
ووجه الجمع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨] (٥). وقد مر. والأمانة مصدر سُمِّي به المفعول.
وقوله: وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وقال الكلبي: يقول وحلفهم الذي يؤخذ
(٢) في (أ): (والصنائع)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الحجة"، وعند البغوي: الصنائع.
(٣) (يد): زيادة من "الوسيط" ٣/ ٢٨٤ يستقيم بها المعنى.
(٤) من قوله: (ووجهه... إلى هنا) نقلا عن "الحجة" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٧. وليس فيه: (واسم الجنس يقع عليها كلها). وذكر ابن خالويه وابن زنجلة أن وجه الإفراد أن الله قال بعد ذلك (وعهدهم) ولم يقل: وعهودهم. وقال مكي بن أبي طالب: فآثر التوحيد -يعني ابن كثير- لخفته، ولأنه يدل على ما يدل عليه الجمع، ويقوي التوحيد أن بعده (وعهدهم) وهو مصدر.
"إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه ٢/ ٨٥، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٨٢ - ٤٨٣، "الكشف" لمكي ٢/ ١٢٥.
(٥) "الحجة" للفارسي ٥/ ٢٨٨. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه ٢/ ٨٥، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٨٣.
وقال مكي بن أبي طالب في "الكشف" ٢/ ١٢٥: فأما من جمع فلأن المصدر إذا اختلفت أجناسه وأنواعه جمع، والأمانات التي تلزم الناس مراعاتها كثيرة، فجمع لكثرتها،... وقد أجمعوا على الجمع في قوله أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ [النساء: ٥٨].
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي