ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

ثم يقول الحق تبارك وتعالى :
قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ( ٨٨ ) :
معنى بيده.. ( ٨٨ ) [ المؤمنون ] : تدل على التمكن من الشيء، كما تقول : هذا الأمر في يدي يعني في مكنتي وتصرفي، أقلبه كيف أشاء ملكوت كل شيء.. ( ٨٨ ) [ المؤمنون ] : مادة ملك منها ملك، ومنها ملك، ومنها ملكوت.
الملك ما تملكه أنت، حتى لو لم يكن عندك إلا ثوب واحد فهو ملك، أما ملك فيعني أن تملك من يملك، وهذا يكون ظاهرا. أما الملكوت فالأشياء المخلوقة التي لا تقع عليها حواسك، ولا يمكن أن تعلم عنها شيئا إلا بإخبار خالقها، والإنسان لا يرى كل ما في الكون، بل إن في نفسه وذاته أشياء لا يعرفها، فهذا كله من عالم الملكوت.
بل إن الإنسان لا يرى حتى الملك الظاهر المحس، لأنه لا يرى منه إلا على قدر مد بصره، وما خرج عن هذا النطاق لا يراه، وإن كان يراه غيره، ويمكن أن يدخل هذا الملك الذي لا تراه في دائرة الملكوت بمعناه الواسع.
إذن : الملكوت يطلق على الأشياء المحجوبة التي لا يراها أحد، أو على الأشياء التي يراها واحد دون الآخر.
والإنسان إذا تعمق في عبادة الله وفي طاعته يفيض عليه من التجليات، ويعطيه من هذا الملكوت عطاء مباشرا، كما قال : من لدنا.. ( ٢٧ ) [ النساء ].
ألا ترى إبراهيم عليه السلام قال عنه ربه : وإبراهيم الذي وفى ( ٣٧ ) [ النجم ]، وقال عنه : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. ( ١٢٣ ) [ البقرة ] : يعني : يؤدي ما لله بدقة وعلى الوجه الأكمل، لذلك يأتمنه ربه على أن يكون إماما للناس قال إني جاعلك للناس إماما.. ( ١٢٤ ) [ البقرة ].
فلما أحسن إبراهيم ما بينه وبين ربه وبلغ هذه المنزلة قال عنه ربه : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.. ( ٧٥ ) [ الأنعام ].
لأنه أحسن في الأولى فرقي إلى أعلى منها، كما لو دخل رجل بيتك وشاهد ما عندك من نعيم، ففرح لما أنت فيه، وقال : ما شاء الله تبارك الله، ودعا لك بالزيادة، فلما رأيت منه ذلك قلت له إذن : تعالى أريك ما هو أعظم.
كذلك العبد الصالح الذي عبد الله وتقرب إليه بمنهج موسى عليهما السلام، فلما استقام على هذا المنهج وتعمق في عبادة الله وطاعته أعطاه الله من علمه اللدني دون واسطة ودون رسول، حتى كان هو معلما لموسى عليه السلام.
ثم يقول سبحانه : وهو يجير ولا يجار عليه.. ( ٨٨ ) [ المؤمنون ] : يجير : تقول : استجار بفلان فأجاره يعني : استغاث به فأغاثه، ومنه قوله تعالى : وإني جار لكم.. ( ٤٨ ) [ الأنفال ] : والإنسان لا يستجير بغيره إلا إذا ضعفت قوته عن حمايته، فيلجأ إلى قوي يحميه ويدافع عنه.
إذن : هذه المسألة لها ثلاثة عناصر : مجير، وهو الذي يقبل أن يغيثك ويحتضنك ويدافع عنك. ومجار : وهو الضعيف الذي يطلب الحماية. ومجار عليه : وهو القوي الذي يريد أن يبطش. ومن المعروف أن رسول الله ( ص ) في رحلته إلى الطائف وبعد أن فعلوا به ( ص ) ما فعلوا استجار، ودخل في حمى كافر.
فالحق- سبحانه وتعالى- يجير من استجار به، ويغيث من استغاثه لكن لا يجار عليه.. ( ٨٨ ) [ المؤمنون ] : لأن الذي يجيرك إنما يجيرك من مساو له في القوة، فيستطيع أن يمنعك منه، ويحميك من بطشه، فمن ذا الذي يحميك من الله ؟ ومن يجيرك إن كان الله هو طالبك ؟
لذلك يقول سبحانه في مسألة ابن نوح : قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.. ( ٤٣ ) [ هود ] : فالله- عز وجل- يجير على كل شيء، ومن أصبح وأمسى في جوار ربه فلا خوف عليه.
وتلحظ هنا العلاقة بين صدر هذه الآية وعجزها، فالله تعالى بيده وفي قبضته سبحانه كل شيء، والأمر كله إليه، فإياك أن تظن أنك تفلت من قبضته بالنعمة التي أعطاك، لأنه سبحانه قادر أن يسلبك إياها، وساعتها لن يجيرك أحد، ولن يغيثك من الله مغيث، ولن يعصمك من الله عاصم.
ثم اقرأ قوله تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ( ٢٦ ) [ آل عمران ].
وهنا أيضا يقول سبحانه : إن كنتم تعلمون ( ٨٨ ) [ المؤمنون ] : إن كان عندكم علم بهذه المسألة ووصلت إليكم وعاينتموها.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير