ويخفف من حدتها، ويوجهها إلى الوجهة العليا إلا الخوف من الله، وتلاوة القرآن ومدارسة الحديث، ومجالسة العلماء، والانضمام إلى الجمعيات الدينية حتى يشغل فراغه ويصرف وقته في النافع، وإن أساس الوقوع في المعصية هو الشباب والفراغ والمال فإذا أمكننا صرف الشباب إلى الوجهة النافعة، وشغل وقتهم وفراغهم بالهوايات الصالحة النافعة كالرياضة البدنية وغيرها توصلنا بهذا إلى التقليل من وقوع الجرائم الجنسية. والنبي صلّى الله عليه وسلم قد عالج هذا الموضوع
بقوله «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة- أى:
النكاح- فليتزوّج وإلّا فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء»
ولا شك أن في الصوم جنة، ورياضة روحية، وإضعافا للقوة الجسمية.
يا جماعة المسلمين: لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا وكيف يسير الإنسان على الصراط المستقيم، وهو بين قائد ضال ودافع أضل؟ ولكن الله يزكى من يشاء، ويهدى إليه من ينيب، والله سميع عليم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.
أليس في هذا خير لنا وهداية؟ نسأله التوفيق والسداد.
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أى: لا يحلف أصحاب الغنى والجاه أن يؤتوا أولى القربى والمساكين مما أعطاهم الله من خيره جزاء ما اشتركوا في إثم الإفك، وهذا نهى لأبى بكر حتى لا يمنع مسطحا من النفقة التي كان يجريها، وهكذا كل مسلم.
وليعفوا عن السيئات، وليصفحوا عن العصاة والمذنبين، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ وهذا تمثيل أى كما تحبون أن يغفر الله لكم، فاغفروا أنتم لمن دونكم
«من لا يرحم لا يرحم»
والله سبحانه كثير المغفرة والرحمة فاقتدوا به واعملوا بما أمر فهو خير لكم.
نهاية القصة [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
المفردات:
لُعِنُوا طردوا من الرحمة دِينَهُمُ المراد جزاءهم مُبَرَّؤُنَ منزهون وهذا بعد الكلام الخاص في العفو والصفح عن بعض من خاض في الإفك كالدليل على أن هذا الجرم شديد وجزاؤه عظيم.
المعنى:
إن الذين يرمون المحصنات العفيفات الغافلات البعيدات عن التفكير في المعاصي والفواحش المؤمنات الصادقات هؤلاء لعنوا في الدنيا ولعنوا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم هوله شديد وقعه.
ومن المعلوم أن هذا الحكم- مع من يرمى المحصن الغافل المؤمن- كذلك وإنما تخصيصهن بالذكر، لأنه الكثير الغالب، وأن رمى النساء بالإفك أكبر إساءة لهن، وهذا هو الموافق لحديث الإفك.
ولا شك أن القذف بالزنا كالرمى بالحجارة التي تصيب كل من يصادفها بلا تفريق بين أب أو زوج أو أخ أو قريب.
والإحصان والغفلة والإيمان حواجز وموانع كان الواجب أن تمنع القذف وهي كالسبب المقتضى لذلك الجزاء الشديد لمن يقذف المحصنات.
وهؤلاء القذفة وبخاصة من قذف السيدة عائشة ملعونون على لسان الملائكة والمؤمنون إلى يوم القيامة، ومطرودون من رحمة الله في الدنيا حيث استحق الحد والتعذيب،
ولعن في الآخرة حيث استحق العذاب الشديد وعظم العذاب بقدر عظيم الجرائم، ومن يقذف بالفاحشة بريئا فقد أقض مضاجع، ونال من كرامات وثلم من شرف، وآذى من أبرياء، فهو يستحق هذا العذاب، وإن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
نعم هم يستحقون ذلك العذاب يوم تشهد عليهم ألسنتهم.
ولعل هؤلاء الناس يوم القيامة يحاولون الإنكار والتنصل فيمنعهم الله من الإنكار، ثم ينطق ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما اقترفوا قطعا لعذرهم. وتنكيلا بهم. كل ذلك بسبب ما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعطيهم جزاءهم كاملا عادلا لا يزيد على جريرتهم ولا ينقص.
ويومئذ يرون أن كل ما وعد به الرسل، وما وصفوا به من عذاب العصاة وثواب الطائعين كله حق ولا شك فيه ولا مرية وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وهل هذه الآية عامة في كل محصنة غافلة مؤمنة؟ وإن كان سبب النزول قصة عائشة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أم هو خاص بعائشة- رضي الله عنها- نظرا إلى شدة الوعيد وعدم ذكر التوبة، وقيل إن الآية خاصة بكفار قريش إذ كانوا يرمون المؤمنات المهاجرات بأنهن هاجرن للفجور.
والظاهر والله أعلم أنها عامة في محصنة غافلة مؤمنة، والسيدة عائشة وأمهات المؤمنين داخلات فيها دخولا أوليّا، وعظم الجزاء لعظم الجرم، وعدم ذكر التوبة لا يمنع من قبولها فبابها مفتوح حتى للكفار.
كيف ترمون بيت النبوة بهذا الإفك؟!! أو ما علمتم أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، وهذا حكم غالبى فالخبيث يكون للخبيثة، ولا يصح أن يتخلف هذا الحكم في أشرف بيت ومع أكرم خلق الله على الله.
والطيبات من النساء كالسيدة عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين للطيبين من الرجال فالله يختار لكل فئة ما يناسبها ويليق بها، فلا يمكن أن يختار أخبث الخبيثات لأطيب الطيبين، وهذا قريب مما سبق في قوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وعند بعضهم أن المراد الخبيثات والطيبات من الكلام
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي