وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [قال ابن عباس: وذلك أن عبد الله بن أبيّ يشك في الدين، وكان رئيس المنافقين، فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين] (١)، فينقطع (٢) الشك عنه، ويستيقن حيث لا ينفعه (٣).
قال مقاتل: الْحَقُّ الْمُبِينُ العدل البيّن (٤).
٢٦ - قوله -عز وجل-: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ قال مجاهد (٥)، وأكثر المفسرين (٦): الْخَبِيثَاتُ من الكلام والقول لِلْخَبِيثِينَ من الناس، وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثَاتِ من الكلام، وَالطَّيِّبَاتُ من الكلام لِلطَّيِّبِينَ من الناس، وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّبَاتِ من الكلام.
وهذا يحتمل معنيين:
(٢) في (أ)، (ع): (فيقطع).
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريق عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٥٢ وعزاه للطبراني.
قال الطبري ١٨/ ١٠٦: يقول: ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يعدهم في الدنيا يمترون.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٧ أ.
(٥) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٠ أ، والطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٥٧ - ١٥٨.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٦٧، وزاد نسبته لعبد بن حميد والفريابي، وابن المنذر.
(٦) انظر: "الطبري" ١٨/ ١٠٦ - ١٠٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٩ ب، ٣٠ أب، والثعلبي ٣/ ٧٥ ب، وابن كثير ٣/ ٢٧٦، و"الدر المنثور" ٦/ ١٦٧ - ١٦٨.
أحدهما: أن معنى الآية: الخبيثات من القول إنما يليق بالخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس يليق بهم الخبيثات من القول (١).
يعني أنّ كلّ (٢) كلام إنما يحسن في أهله فيضاف سيء (٣) القول إلى من يليق به ذلك، وكذلك الطيب من القول، وعائشة رضي الله عنها لا يليق بها الخبيثات من الكلام، فلا يصدق فيها؛ لأنها طيبة فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.
قال مقاتل بن سليمان: الْخَبِيثَاتُ يعني قذف عائشة لِلْخَبِيثِينَ من الرجال (٤) الذين قذفوها وَالْخَبِيثُونَ من الرجال والنساء [لِلْخَبِيثَاتِ يعني السيئ (٥) من الكلام، لأنه يليق بهم الكلام السيئ و الطَّيِّبَاتُ يعني الحسن من الكلام لِلطَّيِّبِينَ من الرجال والنساء،] (٦) يعني: الذين ظنّوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرا وَالطَّيِّبُونَ من الرجال والنساء لِلطَّيِّبَاتِ يعني: الحسن (٧) من الكلام، لأنَّه يليق بهم الكلام الحسن (٨).
وعلى هذا المعنى (٩): ذمُّ القذفة بالخبث، ومدحُ الذين برَّؤا عائشة بالطهارة.
(٢) (كل) ساقطة من (ظ).
(٣) في (ظ): (من).
(٤) في "تفسير مقاتل" زيادة: والنساء.
(٥) في (ع): (للشيء)، والمثبت من (أ)، و"تفسير مقاتل".
(٦) ساقطة من (ظ).
(٧) في (أ)، (ع): (للحسن)، والمثبت من (ظ)، و"تفسير مقاتل".
(٨) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٧ أ.
(٩) (المعنى) ساقطة من (ظ)، (ع).
والكاشف لهذا ما ذكره الزجاج فقال: أي لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، قال: ويجوز أن يكون معنى هذا (١): الكلمات الخبيثات إنّما تلصق بالخبيثات من النساء، والرجال، فأما الطاهرات الطيبات فلا يلصق بهن السب (٢) (٣). وهذا هو (٤) بيان المعنى الأول الذي ذكرنا قبل حكاية قول (٥) مقاتل.
وهذا (٦) الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير والمعاني (٧).
وقال الحكم (٨)، وابن زيد (٩): الْخَبِيثَاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثَاتِ من النساء وَالطَّيِّبَاتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّبَاتِ من النساء.
وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية عطاء- قال: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ يعني يريد أمثال عبد الله بن أبيّ ومن يشك في الله تعالى،
(٢) عند الزجاج: شيء.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٧.
(٤) (هو) ساقطة من (ط).
(٥) (قول) ساقطة من (أ).
(٦) في (أ)، (ع): (هذا).
(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٤٨، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥١٥.
(٨) هو: الحكم بن عتيبة، ولم أجد من ذكره عنه.
(٩) ذكره عند الثعلبي ٧/ ٧٥ ب بهذا اللفظ.
ورواه عنه الطبري ١٨/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٠ أ، ٣١ أ، والطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٥٦ بمعناه.
وَالطَّيِّبَاتُ يريد عائشة طيبها الله -عز وجل- لرسول الله (١) -صلى الله عليه وسلم- أتاه بها جبريل في سرَقَة (٢) من حرير، فقال هذه عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة (٣) عوضًا من (٤) خديجة، فسر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقرّ بها عينًا لِلطَّيِّبِينَ يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طيّبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ يريد لعائشة. انتهى كلامه (٥).
وفي هذا ذمّ للمنافقين وأزواجهم بالخبث ومدح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعائشة بالطهارة، وكأنه قيل: المنافقون والمنافقات هم الذين بالصفّة التي رَمَوا (٦) بها عائشة وصفوان، لا عائشة والنبي -صلى الله عليه وسلم-.
قوله تعالى: أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ قال مقاتل: يعني الطيبات
(٢) سَرَقَة: قطعة من جيِّد الحرير، وجمعها سَرَق. وقيل هي البيضاء خاصة من الحرير. "لسان العرب" ١٠/ ١٥٦ - ١٥٧ (سرق).
(٣) هكذا في (أ)، والطبراني. وفي (ظ)، (ع)، "الدر المنثور": (الجنَّة).
(٤) في (أ): (عن)، والمثبت من باقي النسخ والطبراني و"الدر المنثور".
(٥) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٥٥ - ١٥٦ من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٥٢ وعزاه للطبراني.
ومجيء جبريل بعائشة في سرقة من حرير رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: النكاح- باب: النظر إلى المرأة قبل التزويج ٩/ ١٨٠، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فضائل الصحابة- باب: في فضل عائشة ٤/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠ من حديث عائشة -رضي الله عنها- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير".
ورواه ابن حبان "الإحسان" ٩/ ١١١ من وجه آخر عن عائشة بلفظ: جاء بي جبريل - عليه السلام - إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خرقة حرير فقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة"
(٦) في (أ): (رضوا).
والطيبون مبرؤون مما يقول (١) القاذفون (٢).
قال الفراء: يعني عائشة وصفوان فذكر الاثنين بلفظ الجمع كقوله فَإِن (٣) كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء: ١١] يريد (٤): أخوين، وقوله وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٨] يريد داود وسليمان (٥).
وقال الزَّجَّاج: كل من قُذف من المؤمنين والمؤمنات مبرؤن مما يقول أهل الخبث القاذفون (٦).
وهذا معنى ما ذكرنا من قول مقاتل. و أُولَئِكَ إشارة إلى الطيبين والطيبات. وعلى قول الفراء إشارة إلى عائشة وصفوان.
وهذان هما الوجهان الصحيحان في معنى الآية. وذُكر قولان (٧) آخران:
أحدهما: رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ قال: فمن كان طيبًا فهو مبرأ من كل قول (٨) [خبيث يقوله يغفره (٩) الله له. ومن كان خبيثًا فهو مبرأ من كل] (١٠) قول صالح يقوله، يردّه
(٢) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٧ أ.
(٣) في جميع النسخ: (وإن).
(٤) في (أ): (يريدون).
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٤٩
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٨.
(٧) في (ظ)، (ع): (قولاً).
(٨) قول: ساقط من (أ)، (ظ).
(٩) في (أ): (يغفر).
(١٠) ساقط من (ظ).
الله عليه ولا يقبله (١) منه كلٌّ برئ مما ليس له بحقّ من الكلام (٢).
وعلى هذا الإشارة بقوله أُولَئِكَ تعود إلى (٣) الخبيث والطّيب من الفريقين و يَقُولُونَ خبرٌ عنهم لا عن غيرهم.
القول الثاني: رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه (٤)، وروي مرفوعًا عنه إلى ابن عباس (٥): أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ: ألا ترى أنّك تسمع الكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان ما (٦) هذا من شيمته ولا من خلقه ولا مما يقول! أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ أن يكون ذلك من أخلاقهم ومن شيمتهم (٧)، ولكن الرجل قد يكون منه الزلل.
وعلى هذا الإشارة بقوله أُولَئِكَ تعود إلى الطيب من الفريقين،
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٣١ ب، والطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٦١ من طريق ابن أبي نجيح.
وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ١٦٧، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.
(٣) (إلى): ساقطة من (ظ).
(٤) رواه أبو الشيخ بن حيّان في كتاب "التوبيخ والتنبيه" باب: ما روي في قول الله -عز وجل- "الخبيثات للخبيثين" الآية ص ١٩٧ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٦٨ عن عطاء موقوفًا عليه وعزاه لعبد بن حميد.
(٥) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٥٩ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء مرفوعًا إلى ابن عباس. وسنده ضعيف جدًا؛ لأن فيه طلحة وقد تقدم بيان حاله.
(٦) في (أ): (فما).
(٧) في "التوبيخ": شيمهم.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي