قال أبي بن كعب : مثل نوره في قلب المسلم. وهذا هو النور الذي أودعه الله في قلب عبده من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره. وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس. وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادته فتتزايد حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم، وإن كان سائر الخلق له منكر. فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا.
منهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج، وآخر يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأعطى على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانا ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرا لا باطنا أعطى نورا ظاهرا آماله إلى الظلمة والذهاب.
وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا بالمشكاة، وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج حتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه. وهي مثل القلب وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن، وهي الصفاء والرقة والصلابة فيرى الحق والهدى بصفائه وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها : أشداء على الكفار رحماء بينهم [ الفتح : ٢٩ ] وقال تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [ آل عمران : ١٥٩ ] وقال تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [ التحريم : ٩ ].
وفي أثر :«القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها ».
[ القلوب القاسية والمريضة ]
وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض :
أحدهما :( قلب حجري قاس )، لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل، لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق.
وبإزائه :( قلب ضعيف مائي ) لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة وليس له قوة حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره. وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف، وطيب وخبيث.
وفي «الزجاجة » : مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار.
فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن : هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها عن الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء.
فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها إضاءته وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورا على نور.
وهكذا المؤمن : قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه. وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه. فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة. نور على نور، فيكاد ينطق بالحق، وإن لم يسمع فيه أثرا، ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته، فيكون نورا على نور.
فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.
فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين : النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي. فهما نوران عظيمان، أحدهما أعظم من الآخر.
وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يتكون البتة، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة ولا بد، وقلب فقد منه هذا النور : ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.
وقد فسر قوله تعالى : الله نور السموات والأرض بكونه منور السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق له اسم «النور »، الذي هو أحد الأسماء الحسنى.
والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين : إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.
فالأول كقوله عز وجل : وأشرقت الأرض بنور ربها [ الزمر : ٦٩ ] فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى، إذا جاء لفصل القضاء.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور :«أعوذ بنور وجهك الكريم : أن تُضلَّني. لا إله إلا أنت ».
وفي الأثر الآخر :«أعوذ بوجهك - أو بنور وجهك - الذي أشرقت له الظلمات ».
فأخبر صلى الله عليه وسلم : أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى : أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.
وفي «معجم الطبراني » و«السنة » له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وغيرها : عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :«ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه ».
وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض.
وأما من فسرها بأنه مُنَوِّر السموات والأرض فلا يتنافى بينه وبين قول ابن مسعود رضي الله عنه.
والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.
وفي «صحيح مسلم » وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قام بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال :«إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه ».
وفي «صحيح مسلم » عن أبي ذر رضي الله عنه قال :«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ قال :«نور. أنى أراه ؟ ! ».
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول : معناه : كان ثم نور، زو حال دون رؤيته نور، فأنى أراه ؟
قال : ويدل عليه : أن في بعض الألفاظ الصحيحة «هل رأيت ربك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : رأيت نورا ».
وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال «نور إني أراه » على أنها ياء النسب. والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظا ومعنى. وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ : أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله «أني أراه » كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث، ورده بعضهم باضطراب لفظه.
وكل هذا عدول عن موجب الدليل.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في «كتاب الرؤية » له إجماع الصحابة على أنه لم يرد به ليلة المعراج. وبعضهم استثنى ابن عباس رضي الله عنه فيمن قال ذلك.
وشيخنا يقول : ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه. وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين، حيث قال : إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل. ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس رضي الله عنهما.
ويدل على صحته : ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر «حجابه النور » فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه «رأيت نورا ».
وقوله تعالى : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح
هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أبي بن كعب رضي الله عنه وغيره.
وقد اختلف في مفسر الضمير في «نوره » فقيل : هو النبي صلى الله عليه وسلم أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل : مفسره المؤمن، أي : مثل نور المؤمن.
والصحيح : أنه يعود على الله سبحانه وتعالى. والمعنى : مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده وأعظم عباده نصيبا من هذا النور : رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظا ومعنى.
وهذا النور يضاف إلى الله تعالى، إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه. ويضاف إلى العبد، إذ هو محله وقابله. فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة.
وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. فالفاعل : هو الله تعالى مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء. والقابل : العبد المؤمن. والمحل : قلبه. والحامل : همته وعزيمته [ والمادة : قوله وعمله ].
وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره : ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان :
إحداهما : طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به. وعلى هذا عامة أمثال القرآن.
فتأمل صفة المشكاة، وهي كُوَّة تنفذ لتكون أجمع للضوء - قد وضع فيها مصباح. وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها، ومادتة من أصفى الأدهان وأتمها وقودا، من زيت شجرة في وسط القراح، لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط القراح، محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة. والآفات إلى الأطراف دونها. فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وصفه في قلب عبده المؤمن، وخصه به.
والطريقة الثانية : طريقة التشبيه المفصل، فقيل : المشكاة صدر المؤمن. والزجاجة : قلبه. شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها. وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن، ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه. ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى.
وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف «القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إلى الله أرقها وأصلبها وأصفاها » والمصباح هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة : هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق. وهي مادة المصباح التي يتقدمنها.
والنور على النور نور الفطرة الصحيحة
التفسير القيم
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين، ابن قيم الجوزية