ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، فنزلت هذه الآية.
(١٠٣٦) قال المفسرون: وكان له جاريتان، مُعاذة ومُسَيكة، فكان يكرههما على الزنا، ويأخذ منهما الضريبة، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إِماءهم، فلما جاء الإِسلام قالت معاذة لمسيكة: إِن هذا الأمر الذي نحن فيه إِن كان خيراً فقد استكثرنا منه، وإِن كان شرّاً فقد آن لنا أن نَدَعه، فنزلت هذه الآية. وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوارٍ كُنَّ لعبد الله بن أُبيّ، مُعاذة، ومُسَيكة، وأُميمة، وقُتيلة، وعمرة، وأروى «١».
فأما الفتيات، فهن الإِماء. والبِغاء: الزنا. والتحصن: التعفف. واختلفوا في معنى إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً على أربعة أقوال: أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة السبب، وإِن لم يكن شرطاً فيه. والثاني: إِنه إِنما شرط إِرادة التحصُّن، لأن الإِكراه لا يُتَصور إِلا عند إِرادة التحصُّن، فأما إِذا لم ترد المرأة التحصُّن، فانها تبغي بالطبع. والثالث: أن «إِنْ» بمعنى «إِذ»، ومثله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢» وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٣». والرابع:
أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: «وأنكحوا الأيامى» إِلى قوله: «وإِمائكم» «إِن أردن تحصناً» ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وهو كسبهن وبيع أولادهن وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ للمُكْرَهات رَحِيمٌ وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد:
«من بعد إِكراههن لهن غفور رحيم».
قوله تعالى: آياتٍ مُبَيِّناتٍ قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة غير أبي بكر، وأبان: «مبيِّنات» بكسر الياء في الموضعين في هذه السّورة «٤» وآخر سورة الطلاق «٥».
قوله تعالى: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا أي: شَبَهاً من حالهم بحالكم أيها المكذِّبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذّبين قبلهم.
[سورة النور (٢٤) : آية ٣٥]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)

ذكره الواحدي في «الأسباب» بإثر حديث ٦٤٣ بقوله: قال المفسّرون. وورد نحوه من مرسل عكرمة، أخرجه الطبري ٢٦٠٧٥. وانظر ما قبله.
__________
(١) تفرد مقاتل بذكر أسماء النساء الستة، ومقاتل ساقط، ليس بشيء.
(٢) سورة البقرة: ٢٧٨.
(٣) سورة آل عمران: ١٣٩.
(٤) سورة النور: ٣٤ و ٤٦.
(٥) سورة الطلاق: ١١.

صفحة رقم 294

قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه قولان «١» : أحدهما: هادي أهل السموات والأرض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أنس بن مالك، وبيان هذا أن النُّور في اللغة: الضياء، وهو الذي تصل به الأبصار إلى مُبْصَراتها، فورد النُّور مضافاً إِلى الله تعالى، لأنه هو الذي يَهْدي المؤمنين ويبيِّن لهم ما يهتدون به. فالخلائق بنوره يهتدون. والثاني: مدبِّر السموات والأرض، قاله مجاهد، والزّجّاج. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو المتوكل، وابن السميفع: «اللهُ نَوَّرَ» بفتح النون والواو وتشديدها ونصب الراء «السمواتِ» بالخفض «والأرضَ» بالنصب.
قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ في هاء الكناية أربعة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الله عزّ وجلّ، قال ابن عباس: مَثَلُ هُدَاه في قلب المؤمن. والثاني: أنها ترجع إِلى المؤمن، فتقديره: مثل نور المؤمن، قاله أبيّ بن كعب. وكان أُبيّ وابن مسعود يقرآن: «مثل نور المؤمنين». والثالث: أنها ترجع إلى محمّد صلى الله عليه وسلّم، قاله كعب. والرابع: أنها ترجع إِلى القرآن، قاله سفيان.
فأما المشكاة، ففيها ثلاثة أقوال «٢» : أحدها: أنها في موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح: الضوء، قاله ابن عباس. والثاني: أنها القنديل، والمصباح: الفتيلة، قاله مجاهد. والثالث: أنها الكوّة التي لا منفذ لها، والمصباح: السراج، قاله كعب، وكذلك قال الفراء:
المشكاة: الكوّة التي ليست بنافذة. وقال ابن قتيبة: المشكاة: الكوّة بلسان الحبشة. وقال الزجاج: هي من كلام العرب، والمصباح: السراج. وإِنما ذكر الزُّجاجة، لأن النُّور في الزُّجاج أشد ضوءاً منه في غيره. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وابن أبي عبلة: «في زَجاجة الزّجاجة» بفتح الزاء فيهما. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدريّ، وابن يعمر: بكسر الزاء فيهما. وقال بعض أهل المعاني: معنى الآية:
كمَثَل مصباح في مشكاة، فهو من المقلوب.
فأما الدُّرِّيّ، فقرأ أبو عمرو، والكسائي وأبان عن عاصم «دِرِّيءٌ» بكسر الدال وتخفيف الياء ممدوداً مهموزاً. قال ابن قتيبة: المعنى على هذا: إِنه من الكواكب الدّراريء، وهي اللاتي يدرأن

(١) قال الطبري رحمه الله في «تفسيره» ٩/ ٣٢٠: يعني هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون. وإنما اخترنا القول الذي اخترنا، لأنه عقيب قوله وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فكان ذلك بأن يكون خبرا عن موقع يقع تنزيله من خلقه ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه أولى وأشبه.
فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس، آيات مبينات الحق من الباطل، وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فهديناكم بها، وبينا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات والأرض. [.....]
(٢) قال الطبري رحمه الله في «تفسيره» ٩/ ٣٢٥: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به. مثل المشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وذلك نظير الكوة تكون في الحيطان لا منفذ لها. ووافقه ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٣/ ٣٦١ فقال: وتقديره: شبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه- كما قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل، الذي لا كدر فيه ولا انحراف. فقوله كَمِشْكاةٍ هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور ولهذا قال بعده: فِيها مِصْباحٌ وهو الذّبالة التي تضيء. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية.

صفحة رقم 295

عليك، أي: يطلعن. وقال الزّجّاج: هذا مأخوذ من درأ يدرأ: إِذا اندفع منقضّاً فتضاعف نوره، يقال:
تدارأ الرجلان: إِذا تدافعا. وروى المفضَّل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مدٍّ، وهي قراءة عبد الله بن عمرو، والزهري. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «دُرِّيٌّ» بضم الدال وكسر الراء وتشديد الياء من غير مدٍّ ولا همز، وقرأ عثمان بن عفان، وابن عباس، وعاصم الجحدري: «دَرِيءُ» بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا. وقرأ أبيّ بن كعب، وسعيد بن المسيب، وقتادة: بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مدٍّ ولا همز. وقرأ ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن يعمر: بفتح الدال وكسر الراء مهموزا مقصورا. قال الزّجّاج: والدّرّيء:
منسوب إِلى أنه كالدُّرّ في صفائه وحسنه. وقال الكسائيّ: الدّرّيّء: يشبه الدّرّ، والدّرّيء: جار، والدّرّء: يلتمع، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، والوليد بن عتبة عن ابن عامر: بضم الدال وتخفيف الياء مع إِثبات الهمزة والمدِّ، قال الزّجّاج: والنّحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا وقال الفراء:
ليس هذا بجائز في العربية، لأنه ليس في الكلام «فُعِّيل» إِلا أعجمي، مثل: مُرِّيق، وما أشبهه. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: المُرّيق: العُصْفُر، أعجمي معرَّب، وليس في كلامهم اسم على زِنة فُعِّيْل. قال أبو علي: وقد حكى سيبويه عن أبي الخطّاب: كوكب دُرِّيء: من الصفات، ومن الأسماء:
المُرِّيق: العُصْفر.
قوله تعالى: «تَوَقَّدَ» قرأ ابن كثير. وأبو عمرو: بالتاء المفتوحة وتشديد القاف ونصب الدَّال، يريدان المصباح، لأنه هو الذي يوقد. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: يُوقَدُ بالياء مضمومة مع ضم الدال، يريدون المصباح أيضاً. وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تُوقَد» بضم التاء والدال، يريدون الزجاجة، قال الزجاج: والمقصود: مصباح الزجاجة، فحذف المضاف.
قوله تعالى: مِنْ شَجَرَةٍ أي: من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلُّك على ذلك قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ والمراد بالشجرة ها هنا: شجرة الزيتون، وبَرَكَتُها من وجوه، فانها تجمع الأدم والدّهن والوقود، فيوقد بخطب الزيتون، ويُغسَل برمادة الإِبريسم، ويُستخرج دُهنه أسهل استخراج، ويورِق غصنه من أوله إِلى آخره. وإنما خصّت بالذّكر ها هنا دون غيرها، لأن دُهنها أصفى وأضوأ. قوله تعالى: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بين الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس، قاله أبيّ بن كعب، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنها في الصحراء لا يُظِلُّها جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، فهو أجود لزيتها، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزجاج. والثالث: أنها من شجر الجنّة، لا من شجر الدُّنيا، قاله الحسن. قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ أي: يكاد من صفائه يُضيء قبل أن تصيبه النار بأن يوقد به. نُورٌ عَلى نُورٍ قال مجاهد: النار على الزيت. وقال ابن السائب: المصباح نور، والزجاجة نور. وقال أبو سليمان الدمشقي: نور النار، ونور الزيت، ونور الزجاجة، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ فيه أربعة أقوال: أحدها: لنور القرآن. والثاني: لنور الإيمان. والثالث: لنور محمّد صلى الله عليه وسلّم. والرابع: لدينه الإِسلام.

فصل


: فأما وجه هذا المَثَل ففيه ثلاثة أقوال «١» : أحدها: أنه شبَّه نور محمّد صلى الله عليه وسلّم بالمصباح النّير
(١) تقدم الكلام على أولى الأقوال بالصواب.

صفحة رقم 296

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية