وعلى ورثته، وقال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، وقال زيد بن أسلم إنما الخطاب لولاة الأمور بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧].
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى...
روي أن سبب هذه الآية هو أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت له أمة تسمى مسيكة، وقيل معادة، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، فشكت ذلك إلى النبي عليه السلام، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً راجع إلى «الفتيات»، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور ويمكن أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله: إِنْ أَرَدْنَ راجع إلى الْأَيامى [النور: ٣٢] في قوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، وقال بعضهم هذا الشرط في قوله: إِنْ أَرَدْنَ ملغى ونحو هذا مما ضعف والله الموفق للصواب برحمته، وعرض الْحَياةِ الدُّنْيا، في هذه الآية الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها ومعنى باقي الآية بين فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، بهن، وقد يتصور الغفران والرحمة بالمكرهين بعد أن تقع التوبة من ذلك، فالمعنى غَفُورٌ لمن تاب، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير «لهن غفور رحيم» بزيادة «لهن»، ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه وفيما ذكر لهم من المواعظ، وقرأ جمهور الناس «مبيّنات» بفتح الياء أي بينها الله تعالى وأوضحها، وقرأ الحسن وطلحة وعاصم والأعمش «مبيّنات» بكسر الياء أي بينت الحق وأوضحته.
قوله عز وجل:
[سورة النور (٢٤) : آية ٣٥]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)
«النور» في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه
كلام له نور ومنه الكتاب المنير ومنه قول الشاعر: [الكامل]
| نسب كأن عليه من شمس الضحى | نورا ومن فلق الصباح عمودا |
قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها تقطع المعنى المراد بالآية، وقالت فرقة الضمير في نُورِهِ عائد على اللَّهُ، ثم اختلفت هذه الفرقة في المراد ب «النور» الذي أضيف إلى الله تعالى إضافة خلق إلى خالق كما تقول سماء الله وناقة الله، فقال بعضها هو محمد، وقال بعضها هو المؤمن، وقال بعضها هو الإيمان والقرآن، وهذه الأقوال متجهة مطرد معها المعنى فكأن اليهود لما تأولوا اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى الضوء، قيل لهم ليس كذلك وإنما هو نور فإنه قوام كل شيء وهاديه مثل نوره في محمد أو في القرآن، والإيمان كَمِشْكاةٍ وهي الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه.
وهذه الأقوال الثلاثة تطرد فيها مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل، فعلى قول من قال الممثل به محمد عليه السلام، وهو قول كعب الحبر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو «المشكاة» أو صدره، والْمِصْباحُ هو النبوءة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزُّجاجَةُ قلبه و «الشجرة المباركة» هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين، والآيات التي تضمنها الوحي، وعلى قول من قال الممثل به المؤمن وهذا قول أبي بن كعب، ف «المشكاة» صدره، والْمِصْباحُ الإيمان والعلم، والزُّجاجَةُ قلبه و «الشجرة» القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي فهو صفحة رقم 183
على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال إن الممثل به القرآن والإيمان فتقدير الكلام مَثَلُ نُورِهِ الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كَمِشْكاةٍ، أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، أي فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيه البشر، و «المشكاة» الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير وسعيد بن عياض وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والْمِصْباحُ فيها أكثر إنارة من غيرها، وقال مجاهد «المشكاة» العمود الذي يكون الْمِصْباحُ على رأسه، وقال أبو موسى «المشكاة» الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة، وقال مجاهد أيضا «المشكاة» الحدائد التي يعلق بها القنديل، والأول أصح هذه الأقوال، وقوله فِي زُجاجَةٍ لأنه جسم شفاف الْمِصْباحُ فيه أنور منه في غير الزجاج، والْمِصْباحُ الفتيل بناره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو الداني الألف من «مشكاة» فكسر الكاف التي قبلها، وقرأ نصر بن عاصم «في زجاجة» بفتح الزاي، و «الزجاجة» كذلك وهي لغة، وقوله: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي في الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال الضحاك «الكوكب الدري» الزهرة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم «دريّ» بضم الدال وشد الياء.
ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله دريء مهموز من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «دريء» بالهمزة وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها تدفع بعضها بعضا أو بمعنى أن بهاءها يدفع خفاءها، وفعيل بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم مريق للعصفور وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي «دريء» على وزن فعيل بكسر الفاء من الدرء وهذه متوجهة، وقرأ قتادة «دريء» بفتح الدال والهمز قال أبو الفتح وهذا عزيز وإنما حفظ منه السّكينة بشد الكاف، وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء ونصر بن عاصم «دري» بفتح الدال دون همزة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى «توقد» بضم التاء أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن «توقّد» بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو أيضا وابن كثير «توقد» بفتح التاء والدال أي المصباح، وقرأ عاصم فيما روى عنه إسماعيل «يوقد» بالياء المرفوعة على معنى يوقد المصباح، قال أبو الفتح وقرأ السلمي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة «يوقّد» بفتح الياء والواو والقاف والمشددة ورفع الدال أصله يتوقد، وقوله مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت شجرة، و «المباركة» المنمأة، و «الزيتون» من أعظم الثمار نماء واطراد أفنان وغضارة ولا سيما بالشام والرمان كذلك والعيان يقضي بذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية «ابن شمس» :[الخفيف]
| ليت شعري مسافر بن أبي عمرو | «وليت» يقولها المحزون |