( الله نور السموات والأرض( النور في الأصل كيفية يدركها الباصرة أولا ويدرك بها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجسام الكثيفة المحاذية لهما وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى فهو ليس على ظاهره ويدل عليه إضافته إلى ضميره تعالى في قوله تعالى ( مثل نوره( فالمعنى إما بتقدير المضاف أو على المبالغة كقولك زيد كرم أي ذو كرم غاية الكرم كأنه نفس الكرم مبالغة أو هو مصدر بمعنى الفاعل يعني منور السموات والأرض بالشمس والقمر والكواكب وبالأنبياء والملائكة والمؤمنين كذا قال الضحاك ويقال منور الأرض بالنبات والأشجار وقيل معناه الأموار كلها منه يقال فلان رحمة أي منه الرحمة، وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح يقول القائل إذا سار عبد الله من مرو ليلة، فقد سار منها نورها وجمالها، وقيل : المعنى مدبرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور وقيل : معناه موجدها فإن النور ظاهر لذاته مظهر لغيره وأصل الظهور الوجود كما أن أصل الخفاء العدم والله سبحانه موجود بذاته موجد لكل ما عداه، أو الذي به يدرك أو يدرك أهلها من حيث أنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه، ثم على البصرية لأنها أفوق إدراكا فإنها يدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودة والمعدومة وتغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإدراكات لذواتها ولا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليه وهو الله سبحانه ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا ويقرب فهم بنوره يعني بهدايته إلى الحق يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون فإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليها وعلى المتعلق والمدلول بهما.
( مثل نوره( أي صفة نور الله في قلب المؤمن الذي يهتدي به إلى ذاته تعالى وصفاته وتصديق ما قال مما لا يستبد في إدراكه عقول الفحول ويرى به الحق حقا والباطل باطلا قال الله تعالى :( فهو على نور من ربه( ١ قال البغوي كان ابن مسعود يقرأ مثل نوره في قلب المؤمن وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل نوره الذي أعطى المؤمن وقال بعضهم الضمير عائد إلى المؤمن وكان أبي يقرأ مثل نور قلب من آمن وهو عبد جعل الله الإيمان والقرآن في صدره وقال الحسن وزيد بن أسلم أراد بالنور القرآن وقال سعيد بن جبير والضحاك هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أراد بالنور الطاعة سمى طاعة الله نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه ( كمشكاة( وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي الكوة، قيل : هي حبشية وقال مجاهد هي القنديل والمضاف مقدر والمعنى مثل نوره كمثل نور مشكاة ( فيها مصباح( أي سراج مفعال من الصبح بمعنى الضوء ومنه الصبح بمعنى الفجر ( المصباح في زجاجة( أي في قنديل من الزجاج قال الزجاج إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء وضوؤه يزيد في الزجاج وهذه الجملة صفة للمصباح والعائد المظهر الموضوع موضع المضمر ثم وصف الزجاجة بقوله :( الزجاجة كأنها كوكب دري( الجملة صفة لزجاجة والعائد فيها أيضا المظهر الواقع موضع الضمير قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال والمد والهمزة وهذا الوزن شاذ قال أكثر النحاة ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء وكسر العين وزقال أبو عبيدة أصله فعول من درأت مثل سبوح ثم استثقلوه كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسرة كما قالوا عتيا بضم العين من العتو، وعلى هذين القراءتين هو مشتق من الدرء بمعنى الدفع فإنه يدفع الطلام بضوئه أو يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه أو يدفع الشياطين من الدفع فإنه يدفع الظلام بضوئه أو يدفع بعض ضوئه يعضا من لمعانه أو يدفع الشياطين من السماء وشبهه بحالة دفعة الشياطين لأنه يكون في تلك الحالة أضوء وأنور ويقال هو من درأ الكوكب إذا اندفع فيتضاعف ضوؤه في ذلك الوقت وقيل : درأ بمعنى طلع يقال درأ النجم إذا طلع وارتفع ويقال درأ علينا فلان أي طلع وظهر والمعنى كأنها كوكب طالع، وقرأ الآخرون بضم الدال وتشديد الراء والياء منسوب إلى الدر في صفاته وحسنه فإن قيل الكوكب أكثر ضوءا من الدر فما وجه نسبته إليه ؟ قلنا : معناه أنه أضوء وأحسن من سائر الكواكب كما أن الدر أضوء وأحسن من سائر الحبوب وقيل : الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام وهي الزحل والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد قلت : لعل ذلك الكوكب هي الزهرة لكونها أضوء من غيرها قيل : شبه بالكواكب ولم يشبه بالشمس والقمر لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكسوف بخلاف الكواكب قلت : بل وجه ذلك أن المصباح يشبه بالشمس حيث قال الله تعالى :( وجعل الشمس سراجا( ٢ فشبه الزجاجة بالكوكب ليدل على انحطاط رتبة الزجاجة من رتبة المصباح ولو قال كأنها شمس لزم فضل الزجاجة على المصباح وهو مخل بالمقصود ( يوقد( خبر ثان للمصباح أو حال من الضمير المستكن في الظرف المستقرب أعني في زجاجة العائد إلى المصباح قرأ ابن كثير وأبو عمرو أوب جعفر ويعقوب بفتح التاء الفوقانية وفتح الواو والقاف المشددة والدال على صيغة الماضي من التفعل بمعنى توقد المصباح أي اتقدت يقال توقدت النار أي اتقدت والباقون على صيغة المضارع المجهول من الأفعال فأبو بكر وحمزة والكسائي بالتاء الفوقانية على أن الضمير راجع إلى الزجاجة بحذف المضاف والتقدير توقد نار الزجاجة لا توقد، والباقون بالياء التحتانية على أن الضمير للمصباح أي يوقد المصباح ( من شجرة( من للابتداء يوقد المصباح من شجرة أو للسببية على حذف المضاف أي من دهن شجرة أبهم الشجرة ثم وصفها بقوله ( مباركة( ثم أبدلها وبينها لقوله :( زيتونة( تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها لأنها كثيرة البركة ولا يحتاج في استخراجه إلى عصار بل كل واحد يستخرجه قال البغوي جاء في الحديث أنه مصحح ) من الناس وهي شجرة توقد من أعلاها إلى أسفلها ذكر البغوي عن أسيد بن أو أسيد الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شجرة مباركة " ٣ ورواه الترمذي عن عمر مرفوعا وأحمد والترمذي والحاكم عن أبي سيد مرفوعا ورواه ابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعا 'لو الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك " ٤ ورواه أببو نعيم في الطلب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شفاء من سبعين داء منها الجذام " ( لا شرقية( صفة لزيتونة وحرف النفي جزء من المحمول قيل معناه ليس بمضحى تشرق عليها الشمس دائما فتحرقها ( ولا غربية( ولا في مقناة تغرب وغيب عنها الشمس دائما فتتركها نيا وهو قول السدي وجماعة، وقيل معناه لا شرقية عليها الشمس عند طلوعها فقط ولا غربية تقع عليها الشمس عند غروبها دون طلوعها بل هي تابثة على قلة أو في صحراء واسعة تقع عليها الشمس دائما فيكون ثمرها أنضج وزيتها أصفى، قال البغوي وهذا كما يقولون فلان لا بأبيض ولا بأسود يريدون ليس بأبيض خالص ولا بأسود خالص بل اجتمع فيه الأمران يقال هذا الرمان ليس بحامش ولا حلو أي بل اجتمع فيه الحموضة والحلاوة وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي والأكثرين وقيل معناه غير نابتة في مشرق الأرض ولا في مغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونة الشام يكون أجود وقال الحسن ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا كانت شرقية أو غربية وإنه مثل ضربه الله لنوره قلت : وعلى هذا القول لعل الله سبحانه أراد شجرة من أشجار الجنة ومثل نوره بنور زيتون الجنة ( يكاد زيتها( أي دهنها ( يضيء( بنفسه لتؤلؤ وفرط وبيصه ( ولو لم تمسسه نار( يعني قبل أن يصيبه النار هذه الجملة صفة أخرى لزيتونة وفيه مبالغة في بيان صفاء. . . . زيت الزيتون وبياضه وكلمة يكاد موجب لتصحيح المقال
نور نور( به ( نور
بالنار فهو نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته وصفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط مشكاة لا منفذ فيه، قال البغوي اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل ؟ قال بعضهم وقع التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار أخبرني عن قوله تعالى :( مثل نوره كمشكاة( قال كعب هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيها النبوة يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما كان يكاد ذلك الزيت أن ( يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور( ولنعم ما قال كعب فها أنا أذكر فصلا في ظهر أمر نبوته قبل أن يبعث وقبل أن يتكلم أنه نبي.
فصل
وفي معجزاته التي ظهرت قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ذكر في خلاصة السير أنه قالت أم النبي صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من الشام ثم وثع حين ولدته أنه لواضع. . . بالأرض رافع رأسه إلى السماء وقال الحافظ ابن حجر إن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت لها قصور الشام وقال صححه ابن حبان والحاكم، وعند أبي نعيم في الدلائل أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد ذكرت امه أن الملك غمسه في ماء أنبعه صلاص مرات ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة، وروى البيهقي وابن أبي الدنيا وابن السكن أن ليلة ميلاده صلى الله عليه وسلم ارتجس إيواء كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافقة وأفزع كسرى وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغارت بحيرة سلوة، وفي حديث عائشة : كان يهودي سكن مكة يتجر فيها قال ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف الفرس فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه فقالوا أخرجي المولود ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيا عليه فقالوا : مالك مالك ؟ قال : ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل " رواه الحاكم وفي المواهب اللدنية قصة عميصا الراهب كان يقول لأهل مكة يوشك أن يولد منكم يا أهل مكة مولودين له العرب ويملك العجم هذا زمانه فلما ولد قال لعبد المطلب قد ولد لك المولود الذي كنت أحدثكم عنه وعن العباس بن عبد المطلب قال قلت : يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في المهن تناغى القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال : كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش وعد من الخصائص أن مهده صلى الله عليه وسلم كان يتحرك بتحريك الملائكة، وروي أنه صلى الله عليه وسلم تكلم أوائل ما ولد وروى أبو يعلى وابن حبان عن عبد الله بن جعفر عن حليمة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه تعنى ضمرة وناما، وما كان ينام قبل ذلك وما كان في ثديي من يرويه ولا في شارفنا ما يغذيه وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنها لحافل فحلب فحلب منها ما شرب وشربت حتى أنهينا ريا وشيعا فيتنا بخير ليلة ولما رجعنا ركبت أتاني وحملته عليها فوالله لقد قطعت ما لا يقدر عليها شيء من حمرهم حتى أن صواحي ليقلن لي ويحك يا ب
٢ سورة نوح الآية: ١٦..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الزيت (١٨٥٢) وأخرجه ابن ماجة في كتاب الأطعمة، باب: الزيت (٣٣٢٠)..
٤ رمز السيوطي لحسنه وقال النوووي إسناده حسن، وروى بمعناه أحمد والدارمي والطبراني انظر: فيض القدير (٩٩١)..
التفسير المظهري
المظهري