ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

قوله تعالى : أَوْ كَظُلُمَاتٍ هذا مثل آخر ضربة الله تعالى لأعمال الكفار، وفي هذا العطف أوجه :
أحدها : أنه نسقٌ على «كَسَرَابٍ » على حذف مضاف واحد، تقديره : أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، ودل على هذا المضاف قوله : إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. وهو قول أبي علي(٩٦).
الثاني : أنه على حذف مضافين(٩٧)، تقديره : أو كَأَعْمَالٍ ذِي ظُلُمَاتٍ فَيُقَدَّر «ذي » ليصح عود الضمير إليه في قوله : إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ويقدر «أَعْمَال » ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة (٩٨).
الثالث(٩٩) : أنه لا حاجة إلى حذف البتَّة، والمعنى(١٠٠) : أنه شَبَّهَ أعمالَ الكُفَّارِ في حَيْلُولَتِهَا بين القلب وما يهتدي به بالظلمة.
وأما الضميران في «أَخْرَجَ يَدَهُ » فيعودان على محذوف دلَّ عليه المعنى، أي : إذا أخرج يده من فيها(١٠١) و «أَوْ » هنا للتنويع لا للشك(١٠٢). وقيل : بل هي للتخيير، أي :«شَبهُوا أعمالهم بهذا(١٠٣) أو بهذا(١٠٤). وقرأ سفيان(١٠٥) بن حسين :«أوَ كَظُلُمَاتٍ » بفتح الواو(١٠٦)، جعلها عاطفة(١٠٧) دخلت عليها همزة الاستفهام التي معناها التقرير(١٠٨)، وقد تقدم ذلك في(١٠٩) قوله : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى (١١٠) [ الأعراف : ٩٨ ]. قوله : فِي بَحْرٍ لجِّيٍّ :«في بَحْر » صفة ل «ظُلُمَاتٍ » فيتعلق بمحذوف(١١١). واللُّجِيُّ : منسوبٌ إلى «اللُّجِّ » وهو مُعْظَمُ(١١٢) البحر قاله الزمخشري(١١٣).
وقال غيره : منسوب إلى اللُّجَّةِ بالتاء، وهي أيضاً معظمه(١١٤). فاللُّجّيّ : هو العميق الكثير الماء، وفيه لغتان : كسر اللام، وضمها(١١٥).
قوله :«يَغْشَاه موجٌ » صفة أخرى ل «بَحْرٍ »(١١٦) هذا إذا أعدنا الضمير في «يَغْشَاهُ » على «بَحْرٍ » وهو الظاهر. وإن قدَّرنا مضافاً محذوفاً، أي :«أَو كَذِي ظُلُمَاتٍ » كما فعل بعضهم(١١٧) كان الضمير في «يَغْشَاهُ » عائداً عليه، وكانت الجملة حالاً منه لتخصيصه(١١٨) بالإضافة، أو صفة له(١١٩). قوله(١٢٠) : مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ يجوز أن تكون هذه جملة من مبتدأ وخبر(١٢١) صفة ل «مَوْج »ٍ الأول(١٢٢) ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، و«مَوْجٌ «فاعل به، لاعتماده على الموصوف(١٢٣)، قوله : مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ فيه الوجهان المذكوران قبله(١٢٤) من كون الجملة صفة ل «مَوْجٍ » الثاني، أو الجار فقط.
قوله :«ظُلُمَاتٌ ». قرأ العامة بالرفع(١٢٥)، وفيه وجهان :
أجودهما : أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره : هذه أو تلك ظلمات(١٢٦).
الثاني : أن يكون «ظُلُمَاتٌ » مبتدأ، والجملة من قوله : بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ خبره، ذكره الحوفي(١٢٧) وفيه نظر، لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة، اللهم إلا أن يقال : إنها موصوفة تقديراً، أي : ظلمات كثيرة متكاثفة(١٢٨)، كقولهم :«السمن منوان بِدِرْهم »(١٢٩).
وقرأ ابن كثير :«ظُلُمَاتٍ » بالجر، إلا أنَّ البزِّي روى عنه حينئذ حذف التنوين من «سَحَابُ » فقرأ البَزِّيُّ عنه :«سَحَابُ ظُلُمَاتٍ » بإضافة «سَحَابُ » ل «ظُلُمَاتٍ ».
وقرأ قُنْبُل عه التنوين في «سَحَابٌ » كالجماعة مع جره ل(١٣٠) «ظُلُمَاتٍ »(١٣١). فأما رواية البزِّي فقال أبو البقاء : جَعَلَ المَوْجَ المُتَرَاكم بمنزلة السحاب(١٣٢). وأما رواية قنبل فإنه جعل «ظُلُمَاتٍ » بدلاً من «ظُلُمَاتٍ » الأولى(١٣٣).
قوله : بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع أو جر على حسب القراءتين في «ظُلُمَاتٍ » قبلها لأنها صفة لها(١٣٤). وجوَّز الحوفي على قراءة رفع «ظُلُمَاتٍ » في «بَعْضُها » أن تكون بدلاً من «ظُلُمَاتٌ »(١٣٥) ورد عليه من حيث المعنى، ( إذ المعنى )(١٣٦) على الإخبار بأنها ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفاً لها بالتَّراكم، لا أنَّ المعنى أنَّ بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلماتٌ متراكمة(١٣٧).
وفيه نظرٌ، إذ لا فرق بين قولك : بعض الظلمات فوق بعضٍ، وبين قولك : الظلماتُ بعضُهَا فوق بعض، وإن تُخُيِّل ذلك في بادئ الرأي.
قوله : إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا . تقدم الكلام في «كاد » وأنَّ بعضهم زعم أنَّ نَفْيَهَا إثباتٌ وإثباتها نفيٌ، وتقدمت أدلة ذلك في البقرة عند قوله : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ(١٣٨) [ البقرة : ٧١ ].
وقال الزمخشري هنا : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا مبالغة في ( لَمْ يَرَهَا ) أي : لم يَقْرُب أن يَرَاهَا فَضلاً ( عن ) (١٣٩) أن يراها، ومنه قوله ذي الرمة :
إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ *** رَسِيسُ الهَوَى مِنَ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُ(١٤٠)
أي : لم يَقْرُبْ مِنَ البِرَاحِ فَمَا بَالُهُ يَبْرحُ(١٤١). وقال أبو البقاء : اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، ومنشأ الاختلاف فيه أنَّ موضوع «كَادَ » إذا نفيت وقوع الفعل، وأكثر المفسرين على أن المعنى : أنه لا يرى يَدَهُ(١٤٢)، فعلى هذا في(١٤٣) التقدير ثلاثة أوجه :
أحدها : أن التقدير : لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذكره جماعةٌ من النحويين(١٤٤)، وهذا خطأ لأن قوله :«لَمْ يَرَهَا » جَزْمٌ بنفي الرؤية، وقوله :«لَمْ يَكَدْ » إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير : وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية، فإن أراد هذا القائل أنه لم يكد يراها وأنه يراها بعد جَهْدٍ، تناقض، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها.
وإن كان معنى(١٤٥) لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا لم يَرَها البتَّة على خلاف الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدِّر «لَمْ يَرَهَا »(١٤٦).
الوجه الثاني : قال الفراء(١٤٧) : إن ( كَادَ ) زائدة(١٤٨). وهو بعيد.
الثالث : أن «كَادَ » خرِّجت هاهنا على معنى «قَارَبَ » والمعنى : لم(١٤٩) يُقَارِب رؤيتها، وإذا لم يُقَارِبها بَاعَدَها، وعليه جاء قول ذي الرمة في البيت المتقدم، أي : لم يقارب البراح، ومن هنا حكي عن ذي الرُّمة أنه لما روجع في هذا البيت قال :( لم أجِد ) بدل ( لَمْ يَكَدْ )(١٥٠).
والمعنى الثاني : أنه رآها بعد جَهد، والتشبيه على هذا صحيح، لأنه مع شدة الظلمة إذا أحدَّ نظره إلى يده وقرَّبها من عينه رآها(١٥١) انتهى.
أما الوجه الأول وهو ما ذكره أن قول الأكثرين ( إنه يكون نَفْيُها إثباتاً، فقد تقدم أنه غير صحيح، وليس هو قول الأكثر )(١٥٢) وإنما غرّهم في ذلك آية البقرة، وما أنشد بعضهم :
أَنَحْوِيَّ(١٥٣) هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ ***. . .
البيتين(١٥٤).
وأما ما ذكره من زيادة «كاد » فهو قول أبي بكر(١٥٥) وغيره، ولكنه مردود عندهم.
وأما ما ذكره من المعنى الثاني، وهو أنه رآها بعد جهد، فهو مذهب الفراء(١٥٦) والمبرد(١٥٧). والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري، وهو المبالغة في نفي الرؤية(١٥٨).
وقال ابن عطية ما معناه : إذا كان الفعل بعد «كاد » منفيًّا دلَّ على ثبوته، نحو :«كاد زيد لا يقوم »، أو مثبتاً دلَّ على نفيه، نحو :«كاد زيد يقوم » وتقول :«كَادَ النَّعام(١٥٩) يَطِير »(١٦٠) فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت :«كاد النعام ألا يطير » وجب الطيران له، وإذا تقدم النفي على «كاد » احتمل أن يكون موجباً وأن يكون منفياً، تقول :«المفْلُوجُ(١٦١) لا يكاد يَسْكُنُ » فهذا يتضمَّن نفي السكون، وتقول :«رجل مُنْصَرِفٌ لا يكاد يَسْكُنُ » فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جَهْدٍ(١٦٢).

فصل


اعلم أن الله تعالى بين أنَّ أعمال الكفار إن كانت حسنةً فمثلها السراب، وإن كانت قبيحةً فهي الظلمات، وفيه وجه آخر، وهو أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة، وإما كظلمات في بحر(١٦٣) وذلك في الدنيا. وقيل : إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم، وأنهم لا يَحْصلون(١٦٤) منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم، فإنها تشبه الظلمات، كما قال :( يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور (١٦٥) )(١٦٦) [ البقرة : ٢٥٧ ] أي : من الكفر إلى الإيمان، يدل عليه قوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ (١٦٧).

فصل


وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غور الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللُّجِّيّ في نهاية شدة الظلمة. ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب(١٦٨) ما يراها، وأبعد ما يظن أنه لا يراها، فقال تعالى : إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى النهايات، ثم شبه الكافر في اعتقاده، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى : نُّورٌ على نُورٍ(١٦٩) [ النور : ٣٥ ] وفي قوله : يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم (١٧٠).
[ الحديد : ١٢ ]. ولهذا قال أبي بن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلم : كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة(١٧١)، ومصيره إلى الظلمات إلى النار.
وفي كيفية هذا التشبيه وجوه :
الأول : قال الحسن :«إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، كذا(١٧٢) الكافر له ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل }.
الثاني : قال ابن عباس :«شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث ».
الثالث : أن الكافر لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة تشبه تلك الظلمات الثلاث(١٧٣).
الرابع : قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.
الخامس : أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه(١٧٤).
قوله : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ .
قال ابن عباس : من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له(١٧٥). وقيل : من لم(١٧٦) يهده الله ( فلا إيمان له ) (١٧٧) ولا يهديه(١٧٨) أحد(١٧٩). قال أهل السنة : إنه تعالى لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال : يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ (١٨٠) [ النور : ٣٥ ]، ولما وصف ضلالة(١٨١) الكافر(١٨٢) بأنها في نهاية الظلمة عقبه بقوله : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ . والمراد من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان، وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله وهدايته وتكوينه(١٨٣).
قال القاضي : قوله(١٨٤) : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً يعني(١٨٥) في الدنيا بالإلطاف فَمَا لَهُ مِن نُورٍ أي : لا يهتدي فيتحير(١٨٦)، وتقدم الكلام عليه.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية