أخرج الحاكم وصححه والطبراني عن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وأوتهم الأنصار منهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت :( وعد الله الذين ءامنوا منكم( يا أهل المدينةو الذين هم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزول الآية وليس المراد من المؤمنين عامة لأنهم يلزم حينئذ الاستدراك فإن كلمة الذين آمنوا مغن عنه ( وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض( جواب قسم محذوف تقديره ( وعد الله( واقسم أي قال : والله ليستخلفنهم والوعد في تحققه يزل منزلة القسم أي لنورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم فنجعلهم يعني نجعلن منهم خلفاء ملوكا واجب الطاعة سياسة، أو المعنى لنجعلنهم بأجمعمهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم ( كما استخلف الذين من قبلهم( صفة لمصدر محذوف أي استخلافا كاستخلاف الذين من قبلهم من الأنبياء داود وسليمان وغيرهما كذا قال قتادة أو كاستخلاف بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم يعني كما كان الله تعالى وعد موسى عليه السلام في التوراة بفتح الشام ولم يتحقق إنجاز الوعد في حياته صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى :( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض( ١ فاستخلف الله بعده يوشع بن نون وأنجز ذلك الوعد على يديه حتى فتح الشام وقسم البلاد في بني إسرائيل بوصية موسى، كذلك وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم ليظهره على الدين كله ووعد بفتح الشام على ما قرىء ( غلبت الروم( على البناء للفاعل ( في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم( أي بعدما غلبوا على الفارس ( سيغلبون( على البناء للمفعول أي سيغلبهم المسلمون ( في بضع سنين وعد الله لا يخلف الله وعده( ولم يتيسر ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلف الله أبا بكر وعمر وأنجز وعده حين قاتل أبو بكر بني حنيفة ومن ارتد من العرب وفتح الشام في خلافة عمر حين غزاهم في السنة التاسعة من غلبة الروم الذي كان يوم الحديبية في سنة ست من الهجرة وكون الوعد منجزا في خلافة عمر روى عن علي حين استشار عمر أصحاب النبي في المسير إلى العراف للجهاد فأشار علي بالجهاد متمسكا بهذه الآية، روى هذا القول عن علي بطرق متعددة في كتبنا وفي النهج البلاغة من كتب الروافض قول علي أن هذا الأمر لم يكن نصرته ولا خذلانه ولا قلة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ وطلع من حيث طلع ونحن على موعود من الله حيث قال :( وعد الله الذين ءامنوا منكم( الآية، فالله منجز وعده وناصر جنده إلى آخر ما قال قرأ أبو بكر استخلف بضم الهمزة والتاء وكسر اللام على البناء للمفعول والباقون بكسر الهمزة وفتح التاء واللام على البناء للفاعل لقوله تعالى :( وعد الله الذين ءامنوا( ( وليمكنهن لهم دينهم الذي ارتضى( أي اختار ( لهم( قال ابن عباس يوسع لهم في ابلاد حتى يملكوها ويظهر ويظهر دينهم الإسلام على سائر الأديان ( وليبدلنهم( قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف وسكون الباء من الإبدال والباقون بالتشديد وفتح الباء من التبديل ( من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا( جملة يعبدونني حال من الذين آمنوا منكم لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد أو استئناف لبيان المقتضى للاستخلاف وقوله ( لا يشركون( حال من فاعل يعبدونني أو حال مرادف ليعبدونني من الموصول، قال أبو العالية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في زمان أبو بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فينا وقعوا وكفروا النعمة، قال أبو العالية مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي هشر سنين مع أصحابه وأمروا بالصبر على أذى الكفار ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه فقال رجل منهم ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت هذه الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن البراء قال فينا نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد فأنجز الله وعده وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسط لهم في الأرض وفيه دليل على صحة النبوة لكونه إخبارا عن الغيب على ما صار الأمر إليه وصحة خلافة الخلفاء الراشدين إذ لو لم يكن المراد خلافة الخلفاء الراشدين لزم الخلف في وعد الله إذ لك يجتمع الموعود والموعود لهم إلا في زمنهم وصحة مذهب أهل السنة وكونه دينا ارتضاه الله، وبطلان مذهب الروافض حيث قالوا :/ الأئمة خائفون إلى اليوم حتى لم يظهر المهدي وهو مختف لخوف الأعداء وقولهم إنه سينجز الله وعده حين يظهر المهدي باطل بأباه كلمة منكم في الآية وأي ظهور للدين إن ظهر بضع سينين بعد الف ومائة ما أجهلهم عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" الخلافة بعدي ثلاثون ثم يكون ملكا ثم قال يعني سفينة أمسك خلافة أبي بكر سنين وخلافة عمر عشر أو خلافة عثمان اثنتي عشر وخلافة علي سنة " ٢ وعن عدي بن حاتم قال " بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة وأتى إليه آخر فشكى إليه قطع السبيل فقال : يا عدي هل رأيت بحيرة ؟ قلت لم أرها وقد أثبتت عنها قال : فإن طالت بك الحياة فلترين الظغينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف أحدا إلإ الله ( قلت فيما بيني وبين نفسي فأين قد سعروا البلاد ) ولئن طالت بك الحياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك الحياة ترين الرجل يخرج ملأ كفه من ذهب وفضة يطلب من قيبل منه ويلقين أحدكم ربه يوم يلقاه وليس بينه وبين ترجمان يترجم له فيقول ألم أبعث إليك رسولا ليبلغنك فيقول : بلى فيقول : ألم أعطك مالا وأفضل عليكم فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" اتق النار ولو بشق ثمرة فمن لم يجد شق ثمرة فبكلمة طيبة قال عدي فرأيت الظغينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن افتتح كسرى بن هرمز ولئن طالت بك الحياة لترين ما قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الرجل ملء كفه فلا يجد أحد يقبله ". ٣
( ومن كفر بعد ذلك( أي ارتد أو كفر النعمة ولم يشكر بعد تمكين المؤمنين واستخلافهم وتأييد دينهم الذي ارتضى لهم ( فأولئك هم الفاسقون( الخارجون عن الإيمان أو عن حد الطاعة، قال البغوي قال أهل التفسير ؟أول من كفر بهذه النعمة وجحد بها الذين قتلوا عثمان فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل الخوف حتى صاروا يقتتلون بعدما كانوا إخوانا روى البغوي بسنده عن حميد بن هلال قال قال عبد الله بن سلام في عثمان إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اليوم فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون أبدا فوالله لا يقتله رجل منهم إلا لقي الله أجذم لا يدله وإن سيف الله لم يزل مغمودا والله لئن يسأله الله لا يغمده عنكم ( ما قال أبدا أو إما قال إلى يوم القيامة ) فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ولا خليفة إلا قتل به خمسون وثلاثون ألفا قلت ثم كفر. . . . باستخلاف الخلفاء طوائف الروافض والخوارج ويمكن أن يكون قوله تعالى :( ومن كفر بعد ذلك( إشارة إلى يزيد بن معاوية حيث قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أهل بيته النبوة وأهان عترته وافتخر به وقال هذا يوم بيوم بدر وبعث جيشا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما فعل في وقعة الحرة بالمدينة وبالمسجد الذي ( أسس على التقوى من أول يوم( وهو روضة من رياض الجنة ونصب المجانيق على بيت الله تعالى وقتل ابن الزبير ابن بنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما فعل حتى كفر بدين الله وأباح الخمر
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في الخلافة (٢٢٢٦)..
٣ اخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب:/ علاماتا النبوة في الإسلام (٣٥٩٥)..
التفسير المظهري
المظهري