ثم يقول الحق سبحانه١ :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون٥٥ :
في أول الحديث عن سورة النور قلنا : إنها سميت بالنور ؛ لأنها تبين للناس النور الحسي في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم، وما دمنا نطفئ أنوارنا الحسية حين يظهر نور الله في الشمس، يجب كذلك أن نطفئ أنوارنا المعنوية حين يأتينا شرع من الله.
فليس لأحد رأى مع شرع الله ؛ ذلك لأن الخالق- عز وجل- يريد لخليفته في الأرض أن يكون في نور حسي ومعنوي، ثم ضمن له مقومات بقاء حياته بالطعام والشراب شريطة أن يكون من حلال حتى تبني خلاياه وتتكون من الحلال فيسلم له جهاز الاستقبال عن الله وجهاز الإرسال إن أراد الدعاء.
وفي الحديث الشريف : " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعلموا صالحا إني بما تعملون عليم ٥١ ( المؤمنون ) : وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم... ١٧٢ ( البقرة ) : ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟ " ٢.
فهذه أجهزة معطلة خربة أشبه ما تكون بالراديو الذي لا يحسن استقبال ما تذيعه محطات الإذاعة، فالإرسال قائم يستقبله غيره، أما هو فجهاز استقباله غير سليم.
فإذا ضمنت سلامة تكوينك بلقمة الحلال ضمن الله لك إجابة الدعاء، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :" أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " ٣.
ثم ضمن الله للإنسان مقومات بقاء نوعه بالزواج لاستمرار الذرية لتستمر الخلافة في الأرض طاهرة نظيفة، ثم تحدثت السورة محذرة إياكم أن تجترئوا على أعراض الناس، أو ترموا المحصنات، أو تدخلوا البيوت دون استئذان، حتى لا تطلعوا على عورات الناس... إلخ.
فالحق- سبحانه وتعالى – يريد سلامة المجتمع وسلامة الخلافة في الأرض، وكل هذه الأحكام والمعاني تصب في هذه الآية :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض... ٥٥ ( النور ) : فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تبين الغث٤ من السمين، ألا ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وقد قال تعالى : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون٢ ( العنكبوت ).
وهؤلاء الصحابة هم الذين حملوا للدنيا مشاعل الهداية، وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض، فلا بد أن يربوا هذه التربية القاسية، وأن يمتحنوا كل هذا الامتحان، وهم يعلمون جيدا ثمن هذه التضحية وينتظرون ثوابها من الله، فأهل الحق يدفعون الثمن أولا، أما أهل المبادئ الباطلة فيقبضون الثمن أولا قبل أن يتحركوا في اتجاه مبادئهم، هذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون أهلا لها.
لذلك قال سبحانه : وعد الله... ٥٥ ( النور ) : والوعد : بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضده الوعيد أو الإنذار بشر أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافى الوقوع في أسبابه.
وما دام الوعد من الله تعالى فهو صدق، كما قال سبحانه : ومن أصدق من الله قيلا١٢٢ ( النساء )، وقال سبحانه : ومن أوفى بعهده من الله١١١ ( التوبة ) :
والذي يفسد على الناس وعودهم، ويجر عليهم عدم الوفاء أن الإنسان متغير بطبعه متقلب، فقد يعد إنسانا بخير ثم يتغير قلبه عليه فلا يفي له بما وعد، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه، أما الحق –تبارك وتعالى- فلا يتغير أبدا، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما وعد به، فليست هناك قوة أخرى تمنعه، فهو سبحانه واحد لا إله غيره ؛ لذلك فوعده تعالى ناجز.
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات... ٥٥ ( النور ) : قلنا : إن الإيمان الذي يقوم على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوبا لذاته، إنما لا بد أن تكون له ثمرة، وأن يرى أثره طاعة وتنفيذا لأوامر الله، فطالما آمنت بالله فنفذ ما يأمرك به، وهناك من الناس من يفعل الخير، لكن ليس من منطلق إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم : قالت الأعراب آمنا... ١٤ ( الحجرات )، فرد الله عليهم : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا... ١٤ ( الحجرات ) : يعني : خضعنا للأوامر، لكن من غير إيمان، إذن : فقيمة الإيمان أن تنفذ مطلوبه.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : والعصر١ إن الإنسان لفي خسر ٢ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر٣ ( العصر ).
فبماذا وعد الله الذين آمنوا ؟ ليستخلفنهم في الأرض... ٥٥ ( النور ) وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل كما استخلف الذين من قبلهم... ٥٥ ( النور )، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا برد العدوان.
حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في جمع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين، وفعلوا معهم نموذجا من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وهل هناك إيثار أعظم من أن يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول : اختر إحداهما أطلقها لك، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار.
ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقدوا نارا : كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعا ضد هذا الدين ليضربوه عن قوس واحدة، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم.
حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافة أن ينقض عليهم أعداؤهم، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه : أترون أنا نعيش حتى نأمن ونطمئن ولا نبيت في السلاح ونصبح فيه، ولا نخشى إلا الله ؟ يعني : أهناك أمل في هذه الغاية ؟.
وآخر يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون ؟ ألا يأتينا ألا يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين ؟.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بلسان الواثق من وعد ربه، وليس كلاما قد يكذب فيما بعد :" لا تصبرون إلا يسيرا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة " ٥ يعني : في الملأ الواسع، والاحتباء جلسة المستريح الهانئ، والحديدة كناية عن السلاح.
وقد قال صلى الله عليه وسلم :" إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها " ٦.
ومعنى " إن الله زوى لي الأرض " معلوم أن للإنسان مجال رؤية يلتقي فيه إلى نهاية الأفق، أما الأرض ذاتها فواسعة، فزويت الأرض لرسول الله يعني : جمعت في زاوية، فصار ينظر إليها كلها.
إذن : فهم في هذه المرحلة يشتهون الأمن وهدوء البال، وقد قال تعالى عنهم في هذه الفترة : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله.... ٢١٤ ( البقرة ) :
وفي غمرة هذه الشدة وقمة هذا الضيق ينزل تعالى على رسوله : سيهزم الجمع ويولون الدبر٤٥ ( القمر ) حتى إن الصحابة ليتعجبون، يقول عمر رضي الله عنه : أي جمع هذا ؟ وقد نزلت الآية وهم في مكة في أشد الخوف لا يستطيعون حماية أنفسهم.
لكن بعد بدر وبعد أن رأى ما نزل بالكفار قال : صدق الله سيهزم الجمع ويولون الدبر٤٥ ( القمر ).
ثم ينزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض الآيات التي تطمئن المؤمنين وتصبرهم : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه... ٤١ ( الرعد ).
فاطمئنوا، فكل يوم ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، فالمقدمات في صالحكم، ثم يأتي فتح مكة ويدخلها النبي صلى الله عليه وسلم في موكب مهيب مطأطئا رأسه، تواضعا لمن أدخله، مظهرا ذلة العبودية لله.
حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموكب يقول للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فيقول العباس : إنها النبوة يا أبا سفيان٧، يعني : المسألة ليست ملكا إنما هي بشائر النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة.
ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وينتصر عليهم، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هجر، ويدفعون الجزية.
بعد ذلك يرسل صلى الله عليه وسلم كتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، فيرسل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس، وإلى هرقل، وإلى كسرى، وتأتيه الهدايا من كل هؤلاء.
ويستمر المد الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله، فإن كان المد الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله، فإنه تعداها إلى شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين، حتى ساد الإسلام العالم كله، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت : حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأن يستخلفهم في الأرض.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق النبوءات التي أخبر بها، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش، وبعد أن تاب سراقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديه ويصفونهما بما يدعو إلى الضحك فكان صلى الله عليه وسلم يقول عن ساعدي سراقة : " كيف بهما في سواري كسرى ؟ " ٨.
ويفتح المسلمون بعد ذلك ملك كسرى، ويكون سوارا كسرى من نصيب سراقة، فيلبسهما، ويراهما الناس في يديه.
هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد الله يراها المؤمنون في أنفسهم، لا فيمن يأتي بعد وعد الله الذين آمنوا منكم..... ٥٥ ( النور ) : يعني : المسألة لن تطول.
كذلك أم حرام بنت ملحان٩ التي خرجت في غزوة الصواري وركبت البحر ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام هناك ثم يصحو وهو يضحك، فقالت له : ما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : " أناس من أمتى يركبون زبد هذا البحر، ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة " فقال : ادع الله أن أكون منهم، فدعا لها فاستجاب الله دعاءه، وخرجت في الغزوة، ولما ركبوا البحر الأبيض أرادت أن تخرج فماتت١٠.
إذن : فالبشارة في هذه الآية ليست بشارة لفظية، إنما هي بشارة واقعية لها واقع يؤديها، قد حدث فعلا.
لكن، ما المراد بالأرض في ليستخلفنهم في الأرض... ٥٥ ( النور ). ؟ إذا جاءت الأرض هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض، كما في قوله تعالى : وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..... ١٠٤ ( الإسراء ) : يعني : تقطعوا في كل أنحائها، فإذا جاء وعد الآخرة... ١٠٤ ( الإسراء ) : الذي وعد الله به جئنا بكم
٢ أخرجه مسلم في صحيحه (١٠١٥) كتاب الزكاة، وأحمد في مسنده (٢/٣٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد(١٠/٢٩١) من حديث ابن عباس قال: تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا... ١٦٨(البقرة) فقال سعد: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال صلى الله عليه وسلم:"يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد يقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه العمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به". قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفهم"..
٤ العث: الردئ من كل شيء. ولحم غث: مهزول.(لسان العرب- مادة: غثث)..
٥ أورده ابن كثير في تفسيره (٣/٣٠١) سببا في نزول الآية مرويا عن أبي العالية..
٦ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٨٩) كتاب الفتن، وأحمد في مسنده (٥/٢٧٨-٢٨٤) من حديث ثوبان رضي الله عنه..
٧ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (٤/٤٠٤) أن جيوش المسلمين عرضت على أبي سفيان في فتح مكة وهو مع العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذن..
٨ أخرج البيهقي في دلائل النبوة(٦/٣٢٥) أن عمر بن الخطاب أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك قال: فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه، فلما رآها في يدي سراقة قال: الحمد لله، سوارا كسرى بن هرمز في يد سراقة ابن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج وذكر الحديث. قال الشافعي – رحمه الله: وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذارعيه:" كأنى بك قد لبست سواري كسرى"..
٩ أخت أم سليم، أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقيل في بيتها وتزوجها عبادة بن الصامت. قال هشام بن الغاز: قبر أم حرام بقبرس، وهم يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة. "المؤمنات الصالحات لتقي الدين الحصنى توفي ٨٢٩هـ. ص٥٣، ٥٤-دار البشير تحقيق عادل أبو المعاطي "..
١٠ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء(٢/٦١)بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري في صحيحه (٦/١٠٢-فتح الباري) وأبو نعيم في الحلية (٢/٦٢) بلفظ: "أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوجبوا" قالت أم حرام: أنا منهم؟ قال: "أنت منهم"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي