وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [ النور : ٥٥ ].
المعنى الجملي : بعد أن بين أن من أطاع الرسول فقد اهتدى إلى الحق، ومن اهتدى إلى الحق فجزاؤه دار النعيم، أردف ذلك وعده الكريم بأنه سيجعل المؤمنين المطيعين لله ورسوله خلفاء في الأرض، ويؤيدهم بالنصرة والإعزاز، و يبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا، فيعبدون الله وحده وهم آمنون، ومن جحد هذه النعم من بعد ذلك فقد عصى ربه، وكفر أنعمه.
روى الطبراني والحاكم وابن مردويه عن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله ( ص ) وصحبه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة. فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت الآية.
الإيضاح :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم أي وعد الله المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم، وليجعلنهم ملوكها وساستها، كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة وجعلهم ملوكها وسكانها.
وقد وفى سبحانه بوعده، فإنه لم يمت عليه الصلاة والسلام حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، والمقوقس في مصر، والنجاشي ملك الحبشة.
ولما قبض ( ص ) إلى الرفيق الأعلى قام بالأمر من بعده الخلفاء الراشدون، فنهجوا منهجه، وافتتحوا كثيرا من المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستعبدوا أبناء القياصرة، وصدق قول رسوله :" إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ".
و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم أي وليجعلن دين الإسلام راسخا قويا ثابت القدم، ويعظم أهله في نفوس أعدائه الذين يواصلون الليل بالنهار في التدبير لإطفاء أنواره، لتعفو آثاره.
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا أي وليغيرن حالهم من الخوف إلى الأمن، قال الربيع بن أنس، كان النبي ( ص ) وأصحابه بمكة نحوا من عشرة سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له هم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ فقال رسول الله ( ص ) :" لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة ". فأنزل الله وعد الله الذين آمنوا . إلى آخر الآية.
و نحو الآية قوله : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فأواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [ الأنفال : ٢٦ ].
ثم أتبع ذلك بتعليل التمكين و ما بعده بقوله :
يعبدونني لا يشركون بي شيئا أي يعبدونني غير خائفين أحدا غيري.
ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أي ومن جحد هذه النعم فأولئك هم الذين أنكروا فضل المنعم بها، وتناسوا جليل خطرها.
تفسير المراغي
المراغي