– قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله :
اختلف في سبب الآية فقيل إنما نزلت في وقت حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة وكان المنافقون يذهبون دون استئذان. فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء ١ وقيل نزلت في عمر بن الخطاب وكان استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له وقال له : " يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك " ٢ والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة. وروي عن مجاهد أن المراد به الجمعة والغزو. وقال الحسن الجمعة والأعياد وكل ما فيه خطبة. ولا شك أن المراد بقوله وإذا كانوا معه : أي مع الرسول. قال الحسن : ولا فرق بين الرسول ومن سواه من الأئمة فيما يلزم من استئذانهم لما في ذلك من أدب الدين وأدب النفس٣ واختلف في الإمام الذي يستأذن من هو ؟ فقيل هو إمام الإمرة خاصة، وهو ظاهر الآية. وقيل هو إمام الصلاة أيضا إذا قدمه إمام الإمرة ٤. وهو قول مكحول والزهري ٥ ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف. واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف ونحوه هل يلزمه الاستئذان أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه يلزمه الاستئذان للوالي إمام إمرة كان أو إمام صلاة. واحتجوا بالآية. وأنكر إسماعيل القاضي أن تكون الآية في ذلك المعنى. وقيل لا يلزمه إلا إن كان إمام إمرة. وقيل لا يلزمه الاستئذان وهو مذهب مالك. وقد مشى بعض الناس دهرا على استئذان إمام الصلاة. وروي أن هرم بن حيان ٦ كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف من أمره أنه ذهب لغير ضرورة فقال هرم : اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء ٧.
واختلف في قوله تعالى : فأذن لمن شئت منهم هل هو محكم أو منسوخ ؟ فالمشهور أنه محكم. وقال قتادة هو منسوخ بقوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت.... لهم ٨ الآية [ التوبة : ٤٣ ].
٢ نسبه القرطبي إلى ابن عباس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٢١..
٣ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٢٥، ٣٢٦..
٤ "خاصة وهو ظاهر الآية.... إلى: الإمرة" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٥ راجع المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٩..
٦ هرم بن حيان: هو هرم بن حيان العبدي الأزدي من بني عبد القيس. قائد فاتح من كبار النساك من التابعين. توفي بعد سنة ٢٦هـ/ ٦٤٧م. انظر أسد الغابة لابن الأثير ٥/ ٥٧..
٧ راجع القصة في المحرر الوجيز ١١/ ٣٢٩..
٨ ونقل الجصاص عن سعيد عن قتادة قوله: كان الله قد أنزل قبل ذلك في سورة براءة: عفا الله عنك لم أذنت لهم فرخص له في هذه السورة: فأذن لمن شئت منهم فنسخت هذه الآية التي في سورة براءة. راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٠٠..
أحكام القرآن
ابن الفرس