(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).
(إِنَّمَا) هنا أداة قصر، أي أن المؤمنين حقا وصدقا وحدهم دون غيرهم هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، إيمان إذعان وتسليم، لَا إسلام تردد أو تمرد، كضعاف الإيمان المنافقين الذين في قلوبهم مرض النفاق وهو أشد أمراض القلوب، بل إنه داؤها الدوي، وأن يكون في حال تظلهم، ولا يخرجون عنها، وهذه الحال التي عبر عنها سبحانه بقوله (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).
أي إذا كانوا مع الرسول على أمر جامع لهم كشورى في مصلحتهم المؤمنين، أو دفع ضرر يعمهم إن وقع، أو مداهمة عدو يغير عليهم، أو الخروج لغزوات اضطرت الأحوال للخروج إليها كغزوة تبوك أو نحو ذلك، يجتمعون حوله لمبادلة النظر، ثم يذهبون إليه مجتمعين على كلمة الحق وأمر الرسول، وقد عبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ)، فإن هذا الكلام يتضمن اجتماعهم، كأنه مطوى كلمة اجتمعوا، ويكون سياق الكلام، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى: وإذا كانوا معه على أمر جامع ودعاهم اجتمعوا له، ولم يذهبوا حتى يستأذنوه، أي يدخلون في الأمر الجامع مجتمعين غير متفرقين، وقوله تعالى:
(لَمْ يَذْهَبُوا) " لَمْ " لنفي الماضي، وهذا دليل على أنهم اجتمعوا معه، فهو عطف نفي في الماضي على اجتماع قبله.
وما حدود الأمر الجامع؛ حاول أن يضبطه القرطبي فقال نقلا من بعض الأقوال:
المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، وللحروب، قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...)، فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك (١).
وخلاصة هذا القول والأقوال التي ساقها من بعد أن يكون أمرا عاما يجمعهم ليتشاور فيه معهم، إذ يكون له أثر في الناس من بعد، ولعلاج حال قائمة، وإن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك كما شاورهم في غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وكما جمعهم لغزوة تبوك.
وكان خلفاؤه كذلك من بعده، فجمعهم أبو بكر لمقاومة الردة، وجمعهم عمر لتقسيم الأراضي بين الغزاة، أو بقائها تحت يد ولي الأمر العادل، وكما جمعهم لاستشارتهم في خروجه بشخصه إلى الحرب، إذ تكاثر الفرس على المؤمنين، فأرادوا أن يخرج إليهم، فجمعهم، ونهاه عليّ، وبرأيه أخذ المجتمعون رضي الله عنهم أجمعين، وإن الاستئذان لَا ينقص الإيمان، ولذا قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء للإفصاح (لِبَعْضِ شَأنِهِمْ) بعض أحوالهم الخاصة بهم التي يجدون حرجا عليهم في أن يذهبوا مع الغزاة أو يستمروا مع المجتمعين لأمر ما: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء واقعة في جواب (لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ولا يشاء رسول الله - ﷺ -، والإمام العادل من بعده إلا ما هو خير ومصلحة، فيكون الإذن لمن لا يضر الإذن له، ولمن يعلم حاجته إلى التخلف، ولمن يعلم صدقه، ومن يأذن له يطلب الغفران له، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ) السين والتاء للطلب أي اطلب
________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ٣٢٠.
المغفرة لهم، وظاهر النص أن طلب الغفران لمن أذن لهم، وذلك يومئ إلى أنه كان الأولى بقاؤهم مع المجتمعين على أمر يصح أن نقول: إن طلب الغفران لهم جميعا، ليكونوا جميعا في رحمة الله تعالى، وقد ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى؛ (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) غفور يغفر الذنوب جميعا مع التوبة النصوح، فهو التواب الذي يقبل من عباده التوبة، وهو رحيم، والرحمة صفة من صفاته جل وعز، رحمهم بما بين لهم من شرائع منظمة لجموعهم، وحاكمة بينهم، ورحيم بغفرانه لما يجترحون من سيئات، ويتوبون بعد من قريب.
وقد بين الله سبحانه أدب الاجتماع مع الرسول في الأمر الجامع، فقال عز من قائل:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة