ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﰿ

٥- كرر الله تعالى ثلاث مرات في آيات متعاقبة [٥٨، ٥٩، ٦١] قوله سبحانه: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ [٥٨، ٦١] لكن في الآية [٥٩] لفظ: «آياته» للتأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به، والمعنى: كما بيّن لكم سنة دينكم في هذه الأشياء، يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم.
الاستئذان عند الخروج وأدب خطاب النبي صلّى الله عليه وسلم والتحذير من مخالفة أمره
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
الإعراب:
كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً الكاف في موضع نصب لأنه مفعول لفعل تَجْعَلُوا.
لِواذاً: منصوب على المصدر في موضع الحال من واو يَتَسَلَّلُونَ أي يتسللون ملاوذين، وهو مصدر (لاوذ) كقاوم قواما لأن المصدر يتبع الفعل في الصحة والاعتلال، ولو كان مصدر (لاذ) لكان (لياذا) معتلا لاعتلال الفعل، كقام قياما.

صفحة رقم 310

البلاغة:
غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلِيمٌ عَلِيمٌ: صيغة مبالغة وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
المفردات اللغوية:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون في الإيمان. مَعَهُ مع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم. عَلى أَمْرٍ جامِعٍ أمر عام مهم يحتاج إلى الاجتماع والتشاور، كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة، وقرئ «أمر جميع». لَمْ يَذْهَبُوا لطروء عذر لهم. حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ يستأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فيأذن لهم، والمطالبة بالإذن واعتباره في كمال الإيمان لأنه دليل مصدق لصحته، ومميز للمخلص فيه من المنافق، ومبين تعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس الرسول صلّى الله عليه وسلم بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكدا بأسلوب أبلغ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ، أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وإن الذاهب بغير إذن ليس مؤمنا.
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أمرهم أو ما يعرض لهم من المهام، وفيه مبالغة وتضييق للأمر. فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ بالانصراف. دُعاءَ الرَّسُولِ طلب اجتماع الرسول صلّى الله عليه وسلم بهم. كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً بأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض، والمساهلة في الجواب، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والخروج بغير إذنه محرّم.
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً أي ينسلون أو يخرجون من المسجد خفية مستترين بشيء، فالتسلل: الخروج خفية، واللواذ: تستر بعضهم ببعض. وقد: للتحقيق.
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي عن أمر الله تعالى أو أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم، فإن الأمر لله في الحقيقة، ويصح عود الضمير للرسول صلّى الله عليه وسلم لأنه المقصود بالذكر. والمخالفة: اتخاذ طريق مخالف في القول أو الفعل. فِتْنَةٌ بلاء ومحنة وامتحان في الدنيا. أَلِيمٌ عذاب مؤلم موجع في الآخرة.
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا. قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قد يعلم ما أنتم عليه أيها المكلفون من الإيمان والنفاق والمخالفة والوفاق. وأكد علمه بقد: لتأكيد الوعيد. وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء. فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يخبرهم بما عملوا من خير أو شر، فيجازي على سوء الأعمال بالتوبيخ وغيره. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي الله عالم بكل شيء من أعمالهم، لا تخفى عليه خافية.

صفحة رقم 311

سبب النزول:
أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما قالوا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من رومة- بئر بالمدينة- قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان، حتى نزلوا بنعمى إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخبر، فضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يأتون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بدّ منها، يذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ إلى قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وقال الكلبي: كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعرّض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم، فينظر المنافقون يمينا وشمالا، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفا، فنزلت هذه الآية، فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته، حتى يستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان المنافقون يخرجون بغير إذن.
نزول الآية (٦٣) :
لا تَجْعَلُوا الآية: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله.

صفحة رقم 312

المناسبة:
بعد الأمر بالاستئذان عند الدخول، أمر الله تعالى بالاستئذان حين الخروج، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلّى الله عليه وسلم من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر مهم، ثم أمر المؤمنين بتعظيم النبي صلّى الله عليه وسلم ورعاية الأدب في مخاطبته، وحذرهم من مخالفة أمره وسنته وشريعته.
التفسير والبيان:
هذه آداب اجتماعية دينية إلزامية، وهي ثلاثة:
الأول- قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ، لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته وصحة رسالة رسوله من عنده، وإذا كانوا معه في أمر اجتماعي مهم، كصلاة جمعة أو جماعة أو عيد، أو مشاركة في مقاتلة عدو، أو تشاور في أمر خطير قد حدث، لم ينصرفوا عن المجلس حتى يستأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فيأذن لهم.
وهذا الأدب مكمل لما سبقه، فلما أمر الله بالاستئذان حين الدخول، أمر بالاستئذان حين الخروج، ولا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلّى الله عليه وسلم.
والأمر الجامع: هو الأمر الموجب للاجتماع عليه، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز.
روى أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة».
ثم أعاد الله تعالى طلب الإذن على سبيل التأكيد بأسلوب أبلغ من طريق جعله دليلا على كمال الإيمان، ومميزا المخلص من غيره، فقال: إِنَّ الَّذِينَ

صفحة رقم 313

يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
أي إن الذين يستأذنون الرسول صلّى الله عليه وسلم في الانصراف، ويشاورونه في الخروج، هم من المؤمنين الكاملين المصدقين الله ورسوله، الذين يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه.
وبعد الاستئذان تعظيما للنبي ورعاية للأدب، تكون حرية الإذن له، فقال تعالى:
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ أي إذا استأذنك أحد منهم في بعض ما يطرأ له من مهمة، فأذن لمن تشاء منهم على وفق الحكمة والمصلحة، فقد استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال له: «انطلق فو الله ما أنت بمنافق» يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا: ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا، فو الله ما نراه يعدل.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عمر استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن له، ثم قال: يا أبا حفص، لا تنسنا من صالح دعائك.
والآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله صلّى الله عليه وسلم بعض أمر الدين، ليجتهد فيه برأيه.
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي واطلب من الله أن يغفر لهم ما قد يصدر عنهم من زلات أو هفوات، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم فلا يعاقبهم بعد التوبة.
وهذا مشعر بأن الاستئذان، وإن كان لعذر مقبول، فيه ترك للأولى، لما فيه من تقديم مصالح الدنيا على مصالح الآخرة، فالاستئذان مهما كانت أسبابه مما يقتضي الاستغفار، لترك الأهم.

صفحة رقم 314

ثم أمر الله تعالى أن يهاب نبيه صلّى الله عليه وسلم وأن يبجّل وأن يعظم وأن يسود، فقال:
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي لا تدعوا رسول الله باسمه بأن تقولوا: يا محمد أو يا ابن عبد الله، ولكن عظموه، فقولوا:
يا نبي الله، يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض والتواضع، فهذا نهي من الله عز وجل عن مناداة النبي باسمه أو نسبه، وهو الظاهر من السياق، فلا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه.
وفي تفسير آخر: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض والتساهل في الإجابة والانصراف من مجلسه بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والرجوع عن مجلسه بغير إذن محرّم.
ثم حذر الله تعالى وأوعد المخالفين تلك الآداب فقال:
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً قد: للتحقيق، أي إنه تعالى يعلم يقينا أولئك الذين ينسلون من المسجد في الخطبة أو من مجلس النبي صلّى الله عليه وسلم خفية، واحدا بعد الآخر، دون استئذان، يتستر بعضهم ببعض أو بشيء آخر، فالله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم البواعث والدواعي، والخفايا والأسرار، والظواهر والأفعال والأقوال. روى أبو داود أن بعض المنافقين كان يثقل عليه استماع الخطبة والجلوس في المسجد، فإذا استأذن أحد من المسلمين، قام المنافق إلى جنبه، يستتر به، فأنزل الله الآية.
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي فليخش من خالف شريعة الرسول صلّى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، وصدّ وخرج عن أمره وطاعته، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، وهم

صفحة رقم 315

المنافقون، أن يتعرضوا لمحنة أو بلاء وامتحان في الدنيا من كفر أو نفاق، أو يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة. وضمير أَمْرِهِ إما عائد إلى أمر الله تعالى أو أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم.
والاية تدل على ان ظاهر الأمر للوجوب لان تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، ومخالف الأمر مستحق للعقاب، فتارك المأمور به مستحق للعقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
والآية أيضا تعم كل من خالف أمر الله تعالى وأمر رسوله صلّى الله عليه وسلم، وليس المنافقين فقط.
ثم ختم تعالى السورة ببيان نطاق المخلوقات، وأنهم تحت سلطان الله وعلمه، فقال:
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَدْ للتحقيق أيضا كما هو حال ما قبلها، أي إن جميع ما في السموات والأرض مختص بالله عز وجل خلقا، وملكا، وعلما، وتصرفا وإيجادا وإعداما، يعلم كل ما لدى العباد من سر وجهر، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن اجتهدوا في سترها عن العيون وإخفائها. فقوله: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ معناه أنه عالم به، مشاهد إياه، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يونس ١٠/ ٦١].
وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي إن الله تعالى سينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم، وسيجازيهم حق الجزاء: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة ٧٥/ ١٣]، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف ١٨/ ٤٩] والله ذو علم شامل محيط بكل شيء، يوفره لهم، ويفاجئهم به يوم الحساب والعرض عليه. وهذا دليل على فصل القضاء الذي يتفرد به الله تعالى.

صفحة رقم 316

فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- وجوب استئذان النبي صلّى الله عليه وسلم عند الانصراف من مجلسه، وأما غير النبي فيطلب الاستئذان من صاحب البيت وجوبا أيضا حتى لا يطلع الضيف على العورات كوجوب الاستئذان عند الدخول، كما تقدم، ويطلب الاستئذان من الإمام أيضا.
وقد أوجبت الآية الاستئذان في الأمر الجامع وهو ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سنّة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، وللحروب، قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران ٣/ ١٥٩]. فللإمام أن يجمع أهل الرأي والمشورة أو الناس لأمر فيه نفع أو ضرر.
٢- وقوله تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ دليل على التفويض إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم أو الإمام المجتهد بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه النابع من أصول الشريعة وروح التشريع، والمنسجم مع المبادئ الشرعية.
٣- الآية كما قدمنا دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب.
٤- كان المنافقون يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأمر الله جميع المسلمين بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ليتبين إيمانه ولأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة.
٥- قيل: إن قوله تعالى: لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ وقوله: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ دالان على أن ذلك مخصوص في الحرب. أما في أثناء الخطبة، فليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه. والأصح القول بالعموم، فهو أولى وأحسن، ويشمل ذلك كل مجلس للنبي صلّى الله عليه وسلم.
٦- إن تعظيم الرسول صلّى الله عليه وسلم واجب، فلا ينادى كما ينادي الناس بعضهم

صفحة رقم 317

بعضا، فيقال: يا محمد أو يا أبا القاسم، وإنما يقال: يا رسول الله، في رفق ولين، وبتشريف وتفخيم، كما قال تعالى في سورة الحجرات: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [٣].
٧- تكرر في الآيات التأكيد على إحاطة علم الله بكل شيء، ومنه نوايا المنافقين وأفعالهم وأقوالهم: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وبيان علم الله في هذه الأحوال للتحذير والوعيد والزجر عن مخالفة أمره.
٨- احتج الفقهاء بقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ على أن الأمر للوجوب وعلى وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلم لأن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فتحرم مخالفته، فيجب امتثال أمره. ومخالفة أمره توجب أحد أمرين: العقوبة في الدنيا كالقتل والزلازل والأهوال وتسلط السلطان الجائر، والطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول صلّى الله عليه وسلم، والعذاب الشديد المؤلم في الآخرة.
وقوله: يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ معناه: يعرضون عن أمره، أو يخالفون بعد أمره.
٩- لله جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعلما، ومنه العلم بأحوال المنافقين، فهو يجازيهم به، ويخبرهم بأعمالهم يوم القيامة، ويجازيهم بها، والله علام بكل شيء من أعمالهم وأحوالهم. وهذا دليل على القدرة الفائقة لله تعالى، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من مجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وأن له تعالى فصل القضاء.
آمنت بالله

صفحة رقم 318

[الجزء التاسع عشر]

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفرقان
مكية، وهي سبع وسبعون آية.
تسميتها:
سميت سورة الفرقان لافتتاحها بالثناء على الله عزّ وجلّ الذي نزل الفرقان، هذا الكتاب المجيد على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلم، فهو النعمة العظمى، الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وجعله نذيرا للعالمين: الجن والإنس، من بأس الله تعالى.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة سورة الفرقان لسورة النور من وجوه: أهمها: أن سورة النور ختمت بأن الله تعالى مالك جميع ما في السموات والأرض، وبدئت سورة الفرقان بتعظيم الله الذي له ملك السموات والأرض من غير ولد ولا شريك في الملك.
وأوجب الله تعالى في أواخر سورة النور إطاعة أمر النبي صلّى الله عليه وسلم، وأبان مطلع الفرقان وصف دستور الطاعة، وهو هذا القرآن العظيم الذي يرشد العالم لأقوم طريق.
وتضمنت سورة النور القول في الإلهيات، وأبانت ثلاثة أنواع من دلائل التوحيد: أحوال السماء والأرض، والآثار العلوية من إنزال المطر وكيفية تكون الثلج والبرد، وأحوال الحيوانات، وذكر في الفرقان جملة من المخلوقات الدالة على توحيد الله، كمدّ الظل، والليل والنهار، والرياح والماء، والأنعام،

صفحة رقم 5

والأناسي، ومرج البحرين، وخلق الإنسان والنسب والصهر، وخلق السموات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، وبروج السماء، والسراج والقمر ونحو ذلك مما هو تفصيل لقوله سبحانه: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال في النور: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [٤٣]، وقال في الفرقان:
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً [٤٨] وقال في النور: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [٤٥] وقال في الفرقان: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [٥٤].
وفي كلتا السورتين وصف أعمال الكافرين والمنافقين يوم القيامة وأنها تكون مهدرة باطلة، فقال في النور: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [٣٩] وقال في الفرقان: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [٢٣].
وشمل آخر سورة النور الكلام على فصل القضاء: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [٦٤] وافتتحت سورة الفرقان بالثناء على الله عزّ وجلّ مالك الملك، وصاحب السلطان المطلق.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كسائر السور المكية اهتمت بأصول العقيدة من التوحيد والنبوة وأحوال القيامة.
فبدأت بإثبات الوحدانية لله عزّ وجلّ، وصدق القرآن، وصحة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم، ووقوع البعث والجزاء يوم القيامة لا محالة، وفندت أضداد هذه العقائد، ونعت على المشركين عبادة الأصنام والأوثان ونسبة الولد لله عزّ وجلّ، وتكذيبهم بالبعث والقيامة، وهددتهم بما سيلقون من ألوان العذاب والنكال في نار جهنم، ومفاجأتهم بما في جنان الخلد من أصناف النعيم المقيم.

صفحة رقم 6

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية